ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز
ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية، بموضوع الحفل الغنائي الضخم الذي أُقِيم في وسط بيروت للمغني المصري عمرو دياب، وأُثِير حوله الجدل بشكل غير مسبوق حتى أضحى ترند على مدى أيام.
الجدل المُثار انصبَّ في عدة اتجاهات أولها وأهمها المبلغ الفلكي الذي تقاضاه الفنان المصري مقابل عدة سويعات من الغناء والذي لامس المليون دولار، فضلًا عن حجم الجمهور الذي اشترى تذاكر الدخول التي نَفِدت قبل الحفل، وفتحت المجال للسّوق السّوداء بحيث وصل سعر البطاقات إلى ما يجاوز ال 500 دولار أميركي، ناهيك عن الشروط القاسية المفروضة من قِبل منظّمي الحفل على الإعلاميين حتى وُصِفت من قِبل البعض بالمذلّة والمعتدية على حرية الصحافة.
لكن على أية حال ما يهمنا هنا هو مناقشة مدى منطقية ما حصل في بلد يعاني كل الأزمات والانهيارات السياسية والاقتصادية غير المسبوقة، بلد أعلى راتب رسمي فيه لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات، في حين أن موظف القطاع العام فيه الذي يشكل أكثر من نصف الشعب اللبناني بحاجة إلى ادخار راتب سنة تقريبًا كي يتمكن من حضور حفل كهذا.!!
فهل يصدق أحد أن ما جرى في وسط البلد منذ ليلتين من بذخ وغلو ومظاهر ثراء يؤشر إلى أن ثمة انهيارًا اقتصاديًا في البلاد التي تكاد تتبوأ المركز الأول على صعيد المديونية والتّضخم والفشل.
هنا ثمة من قائلٍ أن الشعب اللبناني يعشق الحياة، ويتأقلم مع كافة الظروف ويتجاوزها، وما حصل في الحفل المثير للجدل خير دليل على عافية وصحة الوضع اللبناني.
في الواقع أن كلامًا كهذا يشكل افتئاتًا وتجهيلًا متعمدًا لحجم القاع الذي ما زال البلد يهوي فيه، لا بل بشكل تعمي مقصودة على مستوى الفقر المدقع الذي يعانيه السواد الأعظم من الشعب والذي لا تنقله وسائل الإعلام أو تركّز عليه.
فالانهيار الاقتصادي قد أتى وبشكل كامل على القطاع العام الذي كان يُعرف سابقًا بالطبقة الوسطى، تلك الطبقة التي دائما ما كانت صمام الأمان في أي مجتمع وكلما توسعت وازدادت كانت موشرًا على صحة الاقتصاد والدولة والمجتمع ككل.
الطبقة الوسطى تقليديًا وتاريخيًا تتشكل من الموظفين في الأسلاك المدنية والعسكرية على اختلافها والمعلمين وغيرهم ممن يتقاضون رواتب شهرية عادة ما تمنحمهم استقرارًا نسبيًا وعيشًا كريمًا.
بين ليلة وضحاها انضمت الطبقة الوسطى في لبنان ودون أي سابق إنذار إلى الطبقة الفقيرة، لتتحول غالبية الشعب اللبناني إلى شعب فقير معدم نتيجة القفزات الخيالية
في سعر صرف الدولار المصطنع، آكلة الرواتب والأجور ومسببة فوضى ودمار اجتماعي واقتصادي.
تدريجيًا ومع تقدم الانهيار وقوّته في ظل عنت وصلف سياسي يرفض حتى محاولات الاستدراك والإنقاذ تمَّ فرز الشعب اللبناني إلى طبقتين فقط طبقة الأغنياء الذين زادتهم الأزمة غنى والفقراء الذين يزدادون فقرًا يومًا بعد يوم، ولذلك انضم لبنان رسميًا إلى نادي الدول الأوليغارشية الناحية تحكم جزء بسيط من الشعب بالسياسية والمال والاقتصاد مجتمعين.
إن تلك الجموع التي كانت ترتدي الأبيض في وسط بيروت مع ما رافقها من مظاهر الفحش والثراء هي إحدى علامات تلك الأوليغارشية المسؤولة عن تجويع الناس وإفقارهم، ففي مقابل تلك الآلاف المعدودة التي تعيش في الضوء والبياض والنعيم، ثمة أكثرية ساحقة تعيش في الظلم والظلام وطالما توسعت الرقعة السوداء وانحسرت الرقعة البيضاء الآتي أعظم.

