يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
رحل طلال سلمان فهل غاب صوت الذين لا صوت لهم؟ صوت الكادحين الفقراء والعمال والمساكين، صوت كل شهيدٍ وجريحٍ وأسيرٍ في سجون الاحتلال، وصوت المناضلين الأحرار الذين حوصروا في أوطانهم بين جدران المنازل أو خلف قضبان الحديد؟
رحلَ طلال سلمان فهل غاب صوت بيروت في الوطن العربي وصوت الوطن العربي في بيروت؟ وهل لا تزال مكانة بيروت في قلوب الإخوة العرب كمكانتهم في قلب بيروت؟
رحل طلال سلمان ذلك الرجل الذي جُبل بالقهر والصبر والثبات والعناد والشموخ والإباء والعزة والكرامة والعنفوان والانتماء، والأمل والألم والهَمّ والغَمّ، فباتت تقاسيم وجهه فيها تلاوين من هذه العجينة ولو غلب عليها لون القمح البقاعي الأسمر الحنطي ، وفيها خرائط وحدود وحواجز وسدود تشبه الوطن العربي الكبير الذي حلم بوحدته وقوته وحريته وعدالة حاكميه وكرامة بناته وبنيه.
رحل العاشق المتيَّم بحب فلسطين والمقاومة والعروبة وفارسَها الأغرَّ جمال عبد الناصر، رحل الشيعيُّ الشافعيُّ والمسلمُ المسيحيُّ والبقاعيُّ الجنوبيُّ الحرُّ الأبيّ، رحل أبو أحمد وعليُّ، رحل الوفيُّ، فهل بقي لطائفي حاقد أو إقطاعي طامع أو عميل يختبئ بثوب عربي حقٌّ بأن يرفع دعوى قدح وذم على جريدة "السفير" ناقماً على ما ورد فيها من حقائق " على طريق" تحرير الأرض والإنسان؟ وهل بقي نبض وقلم للناصريين في بيروت بعد أن رحل الأستاذ الفاضل؟ وهل لا تزال بيروت تشبهنا وتشبه كتابات طلال سلمان ورسومات الشهيد ناجي العلي؟ أم أن بيروت ولَّادة لا تعقم ولا تشيخ مهما مرق فيها المارقون، وحاصرها الحاقدون الطامعون؟
نعم لقد كان طلال سلمان جبلاً من جبال لبنان يكلّله الشَّيبُ والوقار ، كان لا يضحك أبداً وإنما يبتسم، كما روت أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها عن صفات قدوته وأسوته النبيّ العربيّ صلى الله عليه وسلم حين قالت : " ما رأيت رسولَ الله ضاحكاً مستبشراً قطُّ وإنما كان يبتسم"، وحين التقيت به مرةً على هامش احتفال تكريمي له في تعنايل سألته : " لماذا أرى هذا القهرَ كلَّه في تقاسيم وجهك وهذا الأمل الكبيرَ في عينيك؟ ولماذا لا تضحك ابداً؟ فابتسمَ وقال لي : لأنني إعلاميٌّ عربيّ، والإعلاميّ الصادق ينبغي أن يكون العين الذي ترى بها أمّتُه والأذن التي تسمع والعقل الذي يفكر والقلب الذي يفرح أو يتألم واليد التي تكتب وتدافع عن قضاياها المحقة.. ثم مازحنا وقال : أنا لا أضحك لأنني لست أهبل "...
نعم وما أكثر الضاحكين لنا وعلينا في هذه الأمة العربية! وما أكثر الهبلان في كل المواقع! فالإعلام العربي اليومَ يا أستاذَنا إذا تحدث عن أخبار الاحتلال والاستعمار والإقطاع والفساد والاستبداد والجوع والحصار، فإنما تمر هذه الأخبار عرضاً كفقاعات صابون تطفو على السطح ثم تنطفئ، تمر في شريط إخباري سريع ولكن المساحة الأكبر تبقى للتسلية والترفيه والعزف والطرب والرقص والمجون، ونواقض الوضوء ومبطلات الصلاة، ولو كانت غزّة في فلسطين ترفع أنقاض البيوت بعد العدوان وتنقل جرحاها وتجمع أشلاء الشهداء، وتعتذر من الإخوة والأخوات عن بشاعة المشهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي!
رحمك الله تعالى يا أستاذ طلال وأسكنك فسيح جناته مع الصدّيقين والشهداء، وثِق تماماً " بأن المقاومةَ وُجدت لتبقى ولسوف تبقى" ما بقي الاحتلال جاثماً على صدر فلسطين.. ستبقى أفكارك وكتاباتك نبراساً ينير لنا الطريق.. " وعلى الطريق" سنبقى مهما كثرت المفارق وغيروا ملامحه بالمراقص والفنادق.

