عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
يتواصلُ الحوارُ الهادئ والعميق بين حزب الله والتّيارِ الوطنيّ الحرّ سعيًا إلى إنجاز اتفاق سياسي - إصلاحي يسهِّل انتخاب رئيس الجمهورية ويُعطي قوّة دفعٍ لمشروع بناء الدولة، على قاعدة "تلازُم المسارَين."
وبهذا المعنى، فإن أهمية النقاش الدائر بين حارة حريك وميرنا الشالوحي تكمن في أنه يتجاوز البعد السلطوي المباشر المتصل برئاسة الجمهورية، ليشمل ملفّات أبعد وأوسع تتعدّى حدود الأسماء المرشّحة للرئاسة إلى ما هو "أسمى" على صعيد تطوير الدولة وآلياتها، من قبيل اللامركزية الموسّعة والصندوق الائتماني.
وعلى رغم بعض التسريبات والمعلومات حول المسار الذي يتّخذه الحوار حتى الآن، إلا أنه محاطٌ عمومًا بمقدارٍ كبيرٍ من الكتمان حرصًا على منحه كل فرص النجاح الممكنة، بعيدًا من الضوضاء والأضواء، وبالتالي فإن قلة فقط داخل الطرفين تعرف إلى أين وصل فعلًا وماذا حقّق ولم يحقق بعد.
ويؤكّدُ العارفون أن الحزب والتيار يتطلعان نحو أن يُفضي الحوار إلى ولادة تفاهم مار مخايل 2، الأمر الذي سيشكّل في حال حصوله نكسةً لكل الذين بنَوا حساباتهم على أساس أن التحالف بين الجانبين سقط وأن تموضعات جديدة ستنشأ على أنقاضه.
ويشير المطّلعون إلى أن حزب الله لم يكن للحظة في وارد التفريط بالعلاقة الاستراتيجية مع التيار الحر على رغم إفراط بعض قواعده وقيادييه في مهاجمة الحزب خلال فترة القطيعة تحت وطأة الخلاف حول دعم ترشيح سليمان فرنجية. إذ أن الحزب يُدرك جيدًا أهمية هذه العلاقة على مستوى مواجهة خصومه الداخليين والخارجيين الذين يسعَون إلى عزله وتأليب المكوّنات اللبنانية عليه، كما يعرف دورها الحيوي في حماية التوازنات الداخلية والعمق المسيحي للمقاومة. ولعل حادثة الكحّالة عزّزت تلك القناعة وأثبتت الضرورة الوطنية للمحافظة على التفاهم المسيحي - الشيعي عبر تلاقي القوتين الوازنتين في البيئتين.
وليس خافيًا في هذا الإطار أن أحد أهم إنجازات تفاهم مار مخايل، خلال عصره الذهبي، تمثل في تحصين السلم الأهلي ومنع الفتنة الطائفية، خصوصًا عندما كان لبنان يتعرّض لتحديات واختبارات صعبة.
كذلك، فإن رئيس التيار النائب جبران باسيل يعلم أن لا بديل استراتيجيًا من الاتفاق مع حزب الله مهما اتسعت التباينات واشتد التوتر في بعض المراحل. وهو بدا حريصًا على أن يخوضَ لعبة حافّة الهاوية بدقة وعناية، أثناء فترة التجاذب الحاد مع الحزب، فتفادى الانزلاق إلى ما بعد الحافّة، أو تجاوز نقطة اللاعودة، تاركًا في عز الخلاف والسّجال خطًا للرجعة إلى حارة حريك، في بلد محكوم بالتوافق والتسويات.
واذا كان كلّا من التيار والحزب يكرّر في كل مناسبة، الدعوة إلى الحوار مع الجميع ومن ضمنهم خصومهما، للتوافق على هوية الرئيس الجديد، فقد تصرّفا على أساس أنه من باب أولى، لتأكيد صدقيتهما، أن ينطلقا بدورهما في حوار ثنائي يكون قدوة للآخرين ويبني أرضية تمهد لاتفاق أوسع في ما بعد، لاسيما أن هناك ضرورة لتأمين غطاء سياسي وتشريعي لأي تفاهم مشترك قد يتمّ حول سلّة متكاملة تتضمن اللامركزية الموسّعة والصندوق الائتماني، واستطرادًا انتخاب فرنجية رئيسًا للجمهورية.
صحيح أن الطرفين يستطيعان ربما تقليص المسافة نحو التسوية المفترضة من خلال النقاش الحاصل، ولكن ليس بمقدورهما قطعها لوحدهما، بل يحتاجان إلى شركاء آخرين وتقاطعات أشمل، للوصول إلى خط النهاية السعيدة.
وما يعزّز الحاجة إلى تعميم الحوار، عاجلًا أم آجلًا، هو واقع المجلس النيابي الحالي الذي تتحكم به تركيبة دقيقة، تستوجب تقاطعات عابرة للكتل والاصطفافات، من أجل صنع الأكثرية القادرة على انتخاب رئيسٍ أو إقرارِ قوانين إصلاحية.

