هنادي السمرا - خاصّ الأفضل نيوز
من الواضح أن القضايا الخلافية في البلاد، لا تقتصر على ملف من هنا، ومشروع أو صفقة أو مزايدة من هناك، بل أصبحت المؤسسات الرسمية برمّتها، تحت المجهر الدولي نتيجةً للأزمة المالية والاقتصادية الراهنة، والتي هي الأخطر في تاريخ لبنان، ناهيك عن غياب المحاسبة والرقابة، نتيجة للتداخلات السياسية، أو في أحسن الأحوال، طرح أي موضوع والحماس لكشفه، ومن ثم طمس الحقيقة أو لفلفتها.
ولعلّ آخر ما أُتحِفنا به مؤخراً هو ذلك التقرير الأولي الذي صدر عن شركة "الفاريزاند مارسال"، وضم 337 صفحة وتضمن حقائق موثقة تقع ضمن الفترة الزمنية بين العامين 2015 و2020، وتكشف أكبر عمليات الفساد الممنهج في التاريخ اللبناني محورها حاكمية مصرف لبنان التي أدارت على مدى سنوات شبكة من العلاقات واعتمدت جملة من السياسات والإجراءات أدت إلى انهيار النقد الوطني، وإلى تصنيف الدولة الائتماني ضمن أسوأ الدول في العالم، واعتبار الأزمة المالية والنقدية التي حلت في لبنان ضمن الأسوأ في التاريخ وفق ما جاء في تقرير البنك الدولي والذي نشر منتصف العام 2021، وقد كان ذلك على خلفية الجدل الحاصل في مصرف لبنان قبيل انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وبعدها، وما رافقها من سجالات بعد استلام وسيم منصوري مهام الحاكمية بالإنابة.
وفي سياق متصل، شدّد "المرصد الأوروبي للنزاهة في لبنان"، على "ضرورة تسليم كامل المستندات المتعلّقة بمصرف لبنان، من أجل استكمال التدقيق الجنائي، وكشف حقيقة ما حصل طيلة الحقبة السّابقة"، واعتبر أنّ "إحالة ملف التّحقيق إلى قاض جديد فيه ضياع للحقيقة وتمييع للملف".
وكانت أوساط مصرفية وسياسية قد تفاجأت مما نقلته صحيفة "فايننشال تايمز" عن سياسي لبناني رفيع ، أنّ الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة وضع معلومات حساسة في "فلاش ميموري" وأودعها في الخارج، على أن تستخدم في حال تعرضه لمكروه ما، وتساءلت عن المعلومات التي في حوزة سلامة ضد أفراد في التركيبة السياسية والقضائية والأمنية والمصرفية.
وبالتزامن، خصص رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان جلسة الإثنين لمناقشة التقرير الأولي للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان الذي أنجزته شركة الفاريز ومارسال. وكان كنعان وجّه كتابين لوزير المال في حزيران وتموز الماضيين، للحصول على التقرير والمستندات المرتبطة به بغية عرضه على لجنة المال للمناقشة واتخاذ القرارات المناسبة.
ورأى كنعان أن "التدقيق الجنائي على أهميته لا يشكّل حلاً وحده، والمطلوب إنجاز الجردة على موجودات المصارف وإعادة هيكلة المصارف وهو ما لم تقم به الحكومة حتى اليوم. ولجنة المال ستسأل الحكومة وحاكم مصرف لبنان عن ذلك لاتخاذ القرارات المناسبة التي توصل إلى المحاسبة واستعادة التوازن المالي في لبنان كما ستسأل وزير العدل عن المسار القضائي".
وذكّر بأن "التدقيق البرلماني الذي قامت به لجنة المال والموازنة سبق التدقيق الجنائي ب 13 عاماً وقد أثبت وجود 27 مليار دولار مع فوائدها من الإنفاق الذي لم تعرف كيفية صرفه، ما يشكل ثلثي الدين العام. وهو ما كان بمثابة جرس إنذار قبل الانهيار، لم تأخذ به الحكومات المتعاقبة التي بقيت حتى اليوم بلا حسابات مدققة."
بدورهم ،نواب تكتل "الجمهورية القوية" في المجلس النيابي أعلنوا أنهم سيتقدمون بإخبارين إلى النيابة العامة التمييزية والهيئة العليا لمكافحة الفساد، يومي الثلاثاء والخميس، حول تقرير شركة "الفاريز ومارسال" بشأن التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، وطلبوا إحالة التحقيق إلى النيابة العامة التمييزية، وبحث مضمون التقرير ونتائجه.
ونقل رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان عن حاكم مصرف لبنان بالإنابة، وسيم منصوري أنه " أراد أن يُعلم كل الرأي العام بأنه على استعداد أولاً للإجابة على كل النقاط التي وردت في التدقيق الذي قامت به شركة الفاريز والتي لم يُجب عليها رياض سلامة، وتأمين كل المستندات المطلوبة، وهو جاهز كلياً للإجابة على أي سؤال يتعلق بالممارسات التي كانت موجودة في مصرف لبنان لكشف كل الأمور، وأي طلب سيأتي من القضاء سيلبيه على الفور".
أما منصوري فكشف أن : "المصرف المركزي سيقوم بإتمام كل إجراءات التدقيق الذي بدأ يُستكمل لجهة تزويد الشركة والقضاء بكل المستندات المطلوبة". وتوجه إلى القوى السياسية بطلب "إخراج السلطة النقدية من كل تجاذب سياسي"، معتبرا أن "حال المراوحة يؤدي إلى عدم تنامي الاقتصاد النقدي ما يؤثر سلباً على الاقتصاد ويساهم في عزل لبنان دولياً".
وفيما ذهب بعض النواب إلى المطالبة بتوسيع التدقيق في الوزارات كافةً، وخصوصاً وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة كهرباء لبنان لمعرفة الحقيقة الكاملة لصرف المال العام"، طالب البعض الآخر بتطبيق المحاسبة والرقابة، والذهاب إلى حد تشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول الموضوع- بالطبع في حال لم تخضغ كغيرها إلى تجاذبات وخلافات سياسية أو الدعوة إلى جلسة استثنائية لمجلس النواب للاطّلاع رسمياً على التقرير من أجل معرفة كل الحقيقة، وفي حال تأمن نصابها القانوني بالتأكيد في ظل مقاطعة بعض الكتل لجلسات تشريعية أو عامة في ظل الشغور الرئاسي، فيما تبقى المسؤولية الكبرى على عاتق القضاء واستقلاليته عن أية مهاترات تترجم في السياسة.
وكان توزيع التقرير على المقرات الرسمية والنواب، قد خضع لعملية أخذ ورد، بعد اتهام وزارة المال بـ"إخفاء" التقرير المتعلق بالتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان" وتوضيح الأخيرة "أن ما تسلمته وزارة المالية من شركة "الفاريز آند مارشال"، ما هو إلا مسودة عن التقرير الأولي للتدقيق الجنائي وما زال بصيغة غير نهائية.
ثانياً: إن العقد مع شركة "الفاريز آند مارشال" قد تم توقيعه مع الحكومة اللبنانية ممثلة بوزير المالية، وإن دور وزارة المالية فيه يقتصر بحسب أحكام العقد، على التنسيق بين مصرف لبنان وشركة التدقيق وليس أكثر. وعليه يكون التقرير ملكاً للحكومة اللبنانية وليس لوزارة المالية، ما يستدعي معه أن تسلّم النسخة النهائية منه، عند جهوزها، إلى مجلس الوزراء، وبالتالي فإن التصرف بمضمونه يبقى من صلاحيات هذا المجلس.
ثالثاً: إن ما يتم تداوله من أن مسودة التقرير الذي أرسل إلى وزارة المالية أتت على ذكر شخصيات اقتصادية ومالية وسياسية لبنانية وغير لبنانية هي أخبارٌ غير صحيحة على الإطلاق ولا تمت إلى الحقيقة بصلة".
في كل الأحوال، واستناداً للمقولة الشعبية " ما تقول فول ليصير بالمكيول"، وبالتالي " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، هل نتأمل فعلاً بالوصول إلى حل مرتجى، وسط التخبط السياسي والانقسام الطائفي؟ وهل مطرقة الدعاوى والعقوبات الخارجية والتلويح بالانهيار ولهاث الشعب اللبناني وراء لقمة عيشه، كل ذلك سيجد آذاناً صاغية لدى الطبقة السياسية؟
لعل المتابعة والإضاءة على ما وصلت إليه البلاد، هو امر ضروري لدق جرس الإنذار ، بانتظار أن تؤتي المساعي المطلوبة ثمارها، قبل فوات الأوان.

