عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
يستمر الانسداد في شرايين الحوار الوطني بفعل تراكم "الكوليسترول السياسي" وإصرار قوى المعارضة على رفض التجاوب مع المبادرات المطروحة للوصل والجمع، ما يدفع إلى التساؤل حول البدائل المحتملة وطبيعتها.
وليس خافيًا أنَّ هناك من يخشى أن تذهب الأوضاع نحو مزيد من التعقيد والتصعيد بعد أيلول الحالي، ما لم يتم خلال هذا الشهر صنع إيجابيات يمكن البناء عليها لإتمام الاستحقاق الرئاسي وملء الشغور في قصر بعبدا.
وما يزيد المخاوف هو أن وطأة الأعباء الاجتماعية تزداد حدة وتفاقما في فصل الخريف الذي لا تتساقط فيه أوراق الشجر وحسب بل أيضا أوراق العملة التي تبتلعها المتطلبات الكثيرة على وقع غلاء فاحش يأكل الأخضر واليابس.
من هنا، فإنَّ الحاجة إلى استعادة الانتظام المؤسساتي بدءًا من رئاسة الجمهورية باتت ملحة حتى لا تستفحل الأزمات المتراكمة أكثر فأكثر، ما يستدعي التعجيل في نسج خيوط تفاهمات وطنية لا تزال متعذرة حتى الآن بسبب عناد هنا أو رهان هناك.
وضمن سياق جلد الذات، أتى رد الفعل السلبي من قبل البعض على المبادرة التي أطلقها الرئيس نبيه بري في مهرجان ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، وذلك امتدادا للسلبية نفسها في التعاطي مع حركة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان الذي تبدو زيارته المتوقعة لبيروت هذا الشهر مثقلة بالمصاعب والتعقيدات.
ومع أن طرح بري محكوم بضوابط لطمأنة المعترضين، إلا إن هؤلاء رفضوا تلقفه إيجابًا ووضعوه في إطار الابتزاز السياسي مشددين على أنَّ من واجب رئيس المجلس الدعوة إلى جلسات انتخابية متتالية من دون ربطها بالحوار مسبقا.
لكن القريبين من الثنائي الشيعي يعتبرون أنَّ موقف المعترضين على طرح بري هو نوع من العبث السياسي في مرحلة تتطلب التحلي بأكبر مقدار ممكن من المسؤولية.
ويلفت هؤلاء إلى أنَّ برِّي حدد مهلة الحوار بسبعة أيام وهذه في حد ذاتها ضمانة للمتخوفين من المماطلة والتسويف ودلالة على أن هناك جدية في التعاطي مع طاولة الحوار.
ويلفت هؤلاء إلى أنَّ الأهم أنَّ برِّي التزم بالدعوة إلى جلسات مفتوحة ومتتالية لانتخاب الرئيس بعد انتهاء المهلة، وهذا مطلب أساسي للمعارضة، مشيرين إلى أنَّ التجاوب معه من قبل رئيس المجلس يعكس مرونة كبيرة كان يجب تقديرها بدل اتهامه بالابتزاز ومخالفة الدستور.
ويؤكد القريبون من الثنائي أنَّ مبادرة برِّي واقعية وبراغماتية وهي تشكل فرصة ثمينة لكسر المراوحة الحالية وإحداث كوة في الجدار السميك، استنادًا إلى دينامية داخلية لا تنتظر الخارج وموفديه، إلا أنه يبدو أن من يتشدقون بالسيادة ويدعون إلى لبننة الاستحقاق الرئاسي هم أكثر من يتصرفون عكس ذلك.
ويلفت المحيطون بالثنائي إلى أنه صار معروفًا أنَّ التوازنات النيابية الدقيقة لا تسمح لأي طرف بأن يؤمِن لوحده نصاب الحضور الإلزامي لجلسة الانتخاب أي 86 نائبا، أما تأمين نصاب الفوز أي 65 نائبًا فليس أسهل كذلك، وبالتالي هناك حاجة إلى إجراء حوار لمحاولة هندسة تفاهم على هوية الرئيس المقبل وهذا أمر طبيعي بل حتمي في ظل النظام الطائفي التوافقي السائد.
ويستغرب هؤلاء كيف أن هناك من هو مصمم على إضاعة الفرصة تلو الأخرى أمام البلد المنهك، فقط بسبب المكابرة السياسية وإنكار الواقع الذي لا بد من العودة إلى حقائقه الثابتة في نهاية المطاف، مهما طال اللف والدوران.
ويعتبر المحيطون بالثنائي أن مبادرة برِّي ضربة معلم، كونها دفعت المعارضين إلى اللعب على المكشوف، بحيث تم ضبطهم بالجرم المشهود كمعطلين للحلول ورافضين للمخارج المقترحة، الأمر الذي من شأنه أن يحمّلهم مسؤولية أي تفاقم في الأزمات التي يعاني منها لبنان على كل المستويات.
ويشدد هؤلاء على أن برِّي برّأ ذمته وفعل أقصى الممكن كي يستعيد الداخل والمبادرة في الملف الرئاسي، عبر محاولة ملاقاة المعارضين في الوسط، متجاوزًا خيبات الأمل السابقة جراء الصدِّ المتكرر لدعواته السابقة إلى الحوار.
ويرجح داعمو الثنائي أن برِّي كان يعرف ضمنًا أنَّ المتخصصين في النكد السياسي لن يتجاوبوا معه هذه المرة أيضا لكنه أراد أن يكشفهم أمام جميع اللبنانيين عبر نزع الأقنعة عنهم.

