هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
هيمنت أزمة بورما (ميانمار) على اليوم الأول في اجتماع زعماء دول رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" في جاكرتا في إندونيسيا.
إذ أدانَ المجتمعون بشدّة العنفَ والهجماتِ ضد المدنيين في بورما، محمّلين المجلس العسكري الحاكم والمدعوم من قِبل الصين المسؤولية المباشرة عنها.
وتناقش القمة أيضًا أزمةَ بحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى استضافتها محادثات بين الصين والولايات المتحدة الأميركية في ظل غياب رؤساء كل من الصين وروسيا وأميركا.
فيما تسعى القمة إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية بين الدول المشاركة.
ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن للقمة أن تحقق أهدافها في ظل الخلافات والتصدعات؟
على الرغم من التنافس الشديد بين واشنطن وبكين وموسكو على دول جنوب شرق آسيا؛ إلا أن غياب رؤساء هذه الدول الثلاث كان لافتًا ويمكن تفسيره بأن استبدال الرئيس الأميركي جوزف بايدن بنائبته كمالا هاريس يأتي بناء على حسابات دقيقة من بينها:
- توجّه بايدن لحضور قمة العشرين G20 في نيودلهي يومَي 9 و10 من الشهر الجاري.
- الحد من الحساسيات، وعدم رغبة واشنطن إظهار نفسها كالأسد في جميع الميادين، إذا جاز التعبير، وعدم إبراز وصايتها على الدول الصغرى، تاركةً المجال أمام الدول الإحدى عشرة لتحديد وجهة استراتيجيتها المقبلة، الأمر الذي أكد عليه الرئيس الأندونيسي في غير مناسبة وعدم رغبته في إبقاء دول الأعضاء عرضة للاستغلال والعمل على إطلاق العنان لها للإبحار منفردة.
أما بالنسبة للزعيم الصيني شي جين بينغ بدوره لا يريد مجافاة هذه الدول، خصوصًا بعدما رمى بثقله في توسيع "البريكس" ولا يرغب بإظهار أي تأثير مباشر على دول "آسيان".
وفي ما يتعلق بالزعيم الروسي فلاديمير بوتين فلم يجد أي ورقة ضغط مواتية يمكن الحصول عليها والاستفادة منها في هذه المنطقة، وإلا لما كان تردد في المشاركة في هذه القمة.
إذا لكل عاصمة من العواصم الثلاث الكبرى اعتبارات خاصة، غير أنه ما بات مؤكدًا الآن أن هناك حساسيات من هذه التكتلات الجديدة، فضلاً عن أن الصراع في أوكرانيا يؤرّق الدول الأخرى، ما يستدعي نوعًا من المهادنة الصينية-الروسية-الأميركية إزاء هذه "الحيتان الصغيرة" وإبراق رسالة بأن "القروش الثلاث الكبيرة" ليست هنا لتلتهم دول الآسيان.
في المقابل، وتحديدًا في 28 آب/أغسطس الماضي، أعربت كل من الهند وماليزيا والفلبين عن غضبها من نشر الصين خريطة جديدة لنفوذها البحري يطال بحر الصين الجنوبي بأكمله، ما يستوجب طرح سؤال مشروع حول كيفية استفادة الهند من علاقاتها مع دول آسيان لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة؟
كما بات معلومًا أن الخلافات الصينية مع دول الجوار لا تقتصر فقط على ماليزيا والفلبين، ولكن تطال أيضًا فيتنام وأندونيسيا وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وتايوان، بالإضافة إلى الهند وروسيا، حيث حاولت موسكو أن تحل خلافاتها مع بكين، منذ فترة، عبر توقيعها ثلاث اتفاقيات، لكن هذه الخلافات تزداد تأزّمًا وتتسبب بالإحراج لهذه الدول التي تحاول تعزيز علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة لمواجهة الصين.
إذ تحاول الهند أن تلعب دورًا رئيسيًا على إثر تفاقم الخلافات بين نيودلهي وبكين حول ملفات عديدة لعلّ أبرزها النزاع الحدودي في الهملايا في العام 2020، حيث أدت المناوشات بالسلاح الأبيض إلى وقوع قتلى في صفوف الطرفين.
بيد أنه لا بد من الإقرار بأن التدخلات الخارجية المتمثلة باستراتيجية الولايات المتحدة تجاه الصينية وحتى قبل الإعلان عن هذه الاستراتيجية أدت بشكل مباشر إلى زعزعة الاستقرار في بحر الصين الجنوبي. وتبرز هنا مسألة هامشية أخرى تتجلى بمحاولات واشنطن عبر نائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس الضغط على بكين للتراجع عن تأكيد سيادتها على الممر المائي (مضيق تايوان) المتنازع عليه مع تايبيه.
قد لا يختلف اثنان حول استعصاء التوصل لاتفاق في هذا الشق بل سيمتد التعنت الصيني والإصرار الأميركي لسنوات طويلة، حيث تبرز في هذا السياق أكثر من مفارقة، ذلك أن الصين لا تتفهم أن هذه المنطقة الجيو-استراتيجة يخشى عليها الكثيرون، خصوصًا في أروقة البيت الأبيض وتحت قبة الكونغرس الأميركي، فضلاً عن انزعاج واستياء دول الآسيان من جهة، وكوريا الجنوبية واليابان من جهة ثانية.
ولعلّ ما يفسّر غياب بايدن عن قمة الآسيان، وفي ظل عدم الانشغال بأي رصيد استراتيجي حقيقي في هذه القمة يرجع إلى اعتماد البيت الأبيض على مساريْن متوازيين: مسار التعاون العسكري والاستخباري مع كوريا الجنوبية واليابان ونقله الى أقصى درجة ممكنة من جهة، والخطة التي أطلق لها العنان منذ عامين والمتمثلة بتحالف "أوكوس" بين الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وأستراليا والذي يضطلع بدور تتبع ومراقبة محاولات الانتشار الصيني في هذه المنطقة.
في المحصلة، مما لا شك فيه أن جميع هذه المتغيرات ستضع الصينيين في حالة الانفعال وليس في إطار قراءة الموقف الأميركي، الأمر الذي يستدعي تساؤلاً حول ازدواجية واشنطن حول تبنيها لسياسة الصين الواحدة من جهة، والخروج عن النص في أحيان كثيرة بمواقف إيجابية وداعمة لصالح تايوان من جهة أخرى. وعليه لا يمكن القول إن ما قبل قمة دول آسيان ليس كما بعدها وأن هناك صفحة جديدة في العلاقات الأميركية-الصينية بخصوص تايوان، إنما المسألة تبقى مجرد إدارة للمرحلة نفسها وقد تتطلب قضية النزاع هذه إلى عقد قمم أخرى قبل الوصول إلى تحوّل في مسار هذا الخلاف على المنطقة.

