خاصّ الأفضل نيوز
من المؤسف جداً أن تنتصرَ قوى الفساد والإقطاع في كل جولةٍ من معركة الإصلاح في لبنان وأن يُهمَّش ويُهشّم كلُّ من يعاند الفساد والاستغلال ويقاوم الإقطاع على مرأى ومسمع الناس الذين يترقّبون بفارغ الصبر عودةَ الدولة ورجالاتها ويأملون بإصلاح إداراتها واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب بعيداً عن المحاصصة والمحسوبيات، وهم الذين حلموا في كلّ إقليم عربي، وليس في لبنان وحده، بتحقيق المبادئ السّتّة لثورة يوليو منذ عام 1952، والتي لا تزال حاجةً ملحةً من أجل بناء دولة مدنية عصرية قادرة وقوية، ومن هذه المبادئ القضاء على الفساد والإقطاع وهيمنة رأس المال.
وقد كان العميد علي طه، ابن بلدة كامد اللوز البقاعية، واحداً من رجالات الدولة الذين أثبتوا كفاءتهم ونظافة كفهم في كل المهمات التي تولّوها، ولم تسجل لهم إلا التنويهات وأوسمة الشرف تكريماً لهم وتقديراً لجهودهم و تضحياتهم.
والعميد علي طه الذي يشهد له كل من عرفه أو عمل معه بتعفّفه واستقامته وصدقه وأمانته وثباته على الحق وعناده في مواجهة الظالمين والدفاع عن المظلومين وولائه للوطن، سواء في عمله في شعبة المعلومات في البقاع أو في تحرّي بيروت والمباحث الجنائية الخاصة أو في جهاز أمن المطار أو فيما يسمى " النافعة" والتي كانت نافعةً للسّماسرة والمرتشين والفاسدين قبله، ولم تكن نافعةً له ولأمثاله من شرفاء لبنان والذين يصحّ فيهم قولُ
الشاعر العربي:
" لا عيبَ فيهم غير أن سيوفَهم
بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ"...
هذا الضابط الذي كانت كل ترقيةٍ له بمثابة تكريم ومكافأة لِما يتحلى به من قيم وفضائل وانضباط مسلكي والتزام وطني قد وقع أخيراً في شرك المافيا التي تتحكم بالبلد بعد صدامه مع شركة " إنكربت" العاملة على تسيير المرفق العام في مصلحة تسجيل الآليات والمركبات، وبعد أن قام بكف أيدي الفاسدين من السماسرة والمرتشين وتحويلهم إلى الهيئة العليا للتأديب.
ولعل طريقة إقالة العميد علي طه، والتي يعتبرها البعض مُهينةً له ، بعد أن توعده السماسرة الفاسدون بقولهم : " حضّر حالك يا طه رح تطلع من أخطاها "، في إشارةٍ إلى أنه أخطأ بحقهم، هي بمثابة وسام شرف إضافي يعلَّق على صدره، لا سيما وأن قرار إقالته من رئاسة مصلحة تسجيل الآليات والمركبات قد جاء بعد خلاف بينه وبين المسؤولين عن شركة إنكريبت قبل يومين من تاريخ إقالته بقرار مجحف من وزير الوصاية الذي خضع لضغوط الفاسدين، وبعد أن علا صراخه عليهم أمام محافظ بيروت، أثناء الاجتماع في مكتبه، لأنهم خالفوا شروط ديوان المحاسبة ولم يقدموا الفواتير ولا كشوف الحسابات المطلوبة، وقال لهم متحدياً : ( لقد أخرجتكم من الباب قبل شهرين ولا أقبل بأن تعودوا من النافذة واللهِ).
وفي التفاصيل، فقد وجّه أكثر من عشرين موظفاً ممن جرى توقيفهم بتهم الرشوة والاختلاس والإثراء غير المشروع كُتباً إلى إدارة «النافعة» وإلى وزير الداخلية الضعيف الخاضع لإملاءات اللصوص يُطالبون فيها بإعادتهم إلى العمل، وكان معظم هؤلاء قد برزت أسماؤهم في فضائح وسرقات «النافعة». وكانت الجهات القضائية قد أخلت سبيلهم مع آخرين مشتبه في تورطهم بالفساد، وسمحت لهم بمزاولة العمل مقابل تقاضيهم نصف راتب، إلى حين استكمال التحقيقات وصدور الأحكام النهائية بحقّهم. إلّا أن طه حوَّلهم إلى «الهيئة العليا للتأديب»، ومنعهم من مزاولة العمل «لانعدام الثقة».
تباينت المواقف حيال القضية، ففي حين حسم طه موقفه الرافض لعودتهم، اقترح محافظ بيروت القاضي مروان عبود السماح لهم بمزاولة العمل مع مراقبتهم لأن «النافعة» تُعاني نقصاً في الأيدي العاملة، وجاء قرار وزير الداخلية المفاجئ بعزل العميد طه من منصبه تلبيةً لرغبة السارقين وضغوطاتهم المتزايدة وتأكيداً على ضعفه في مواجهة قوى الأمر الواقع .
وخلاصة القول : إنَّ فصل العميد علي طه من منصبه الطبيعي قد وقَعَ وقْعَ الصاعقة على مسامع الضباط والرتباء والعناصر، الذين عرفوه على الأقل مكافحاً لقوى الفساد والطائفية والإقطاع، وجعل المراقبين اللبنانيين بشكل عام والبقاعيين بشكل خاص في حالة ذهول ودهشة لأنهم اعتبروا ذلك القرار المجحف بمثابة دق المسمار الأخير في نعش الدولة اللبنانية، كما اعتبروا أن قوى الأمر الواقع أقوى منهم ومن القضاء المغلوب على أمره ومن الوزراء الذين تُمارَس عليهم الضغوط ومن الضباط الذين يُناط بهم حفظ الأمانات وأموال اللبنانيين وتطبيق القوانين والدفاع عن حقوق المواطنين.
لقد عاد علي طه بلسان صدقٍ عليٍّ إلى السلك الذي تدرّج فيه ولم يخن وطنَه الذي افتخر بولائه وانتمائه إليه، ولا أباه الذي ربّاه على القيم النبيلة والأصيلة، ولا ثقة اللبنانيين بضباط أمنهم..
لقد عاد علي طه ليكافح، من موقعه كضابط في قوى الأمن، كأي مواطن حرٍّ نزيه يحلم بوطن العزة والكرامة والرزق الحلال.. عادَ، لكي يتبوأ مناصبَ تليق به أكثر في مرحلة مقبلة تنصفه وأمثاله من النبلاء، ولكي تؤكدَ تجربته أن أشدَّ لحظات الليل ظلمةً هي تلكَ التي تسبق الفجرَ...

