كمال ذبيان - خاصّ الأفضل نيوز
يتقدّم ما يُسمّى بـ"العرف"، على الدّستور في لبنان، وهي "بدعة" لا تمارسها دول أخرى، حتّى المتخلّفة منها، حيث تلعب الطّائفية، هذا الدّور في لبنان، تحت عنوان مُشوّه للديمقراطية تحت اسم "التّوافقيّة"، أو "صيغة العيش المشترك".
ففي الدّستور، لا يوجد نصّ دستوريّ يوزّع السّلطات على الطّوائف، حيث لا يوجد نصّ يحدّد طائفةَ رئيس الجمهوريّة أو رئيس مجلس النّواب أو رئيس الحكومة، كما وظائف الفئة الأولى، كقائد الجيش وحاكم مصرف لبنان ورئيس مجلس القضاء الأعلى، والمدير العام للأمن العام، أو أمن الدولة، أو قوى الأمن الداخلي، وأنّ دستورَ ما بعد اتّفاق الطّائف، لم ينصّ على طائفة أيّ سلطة أو وظيفة في لبنان، بل تحدث عن المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، بعد أن كان التّوزيع ٦ للمسيحيين و٥ للمسلمين، وقد اعتمدت النّسبيّة في توزيع عدد المراكز، سواء في مجلس النواب أو مجلس الوزراء.
وهذا الدّستور، الّذي أدخلَ اتّفاق الطّائف إصلاحات عليه، لم تطبّق كلّها، فلم يقر قانون انتخاب خارج القيد الطّائفي، ولم تلغ طائفيّة الوظيفة ولم تشكّل الهيئة الوطنيّة لإلغاء الطائفيّة، للوصول إلى دولة مدنيّة بالكامل.
ولم ينصّ الدّستور على الطّائفيّة إلّا في المادة ٩٥ من الدستور، والّتي اعتبرت حالة مؤقتة، وضرورة العمل للخروج منها، لكن ما حصل، هو عكس ذلك، من خلال تسويق مصطلحات تعزّز الوضع الطّائفيّ والمذهبيّ، وما الاقتراح الّذي تقدّم به "اللّقاء الأرثوذكسي"، بانتخاب كلّ طائفة نوّابها، سوى دليل على أنّ الواقع الطّائفيّ والمذهبيّ يتكرّس، وقد حصل ذلك، في قانون الانتخاب المعمول به منذ الدّورة الانتخابيّة في العام ٢٠١٨، وفي الانتخابات الأخيرة عام ٢٠٢٢.
ومن الأعرافِ الّتي يروّج لها، هي ما يُسمّى مواصفات رئيس الجمهوريّة وبرنامجه، وهذا ما طلبه الموفدُ الرّئاسيّ الفرنسيّ جان إيف لودريان من ٣٨ نائبًا، بسؤالين يوجّههما له، لتلقّي أجوبة عليها عند عودته الثّالثة إلى لبنان في هذا الشّهر.
ويتحدّث سياسيّون وإعلاميّون ونوّاب وآخرون، عن برنامج رئيس الجمهوريّة، وهو توصيفٌ غير موجود في الدستور، لا بل مخالف له، لأنّ رئيس الجمهوريّة ينتخب من النّواب وفق المادة ٤٩ من الدستور، الّتي لم تنصّ على ما يجب أن يتحلّى به المرشّح لرئاسة الجمهوريّة، الّذي غالبًا، ما يتردّد أسماء مرشّحين، وقد يولد رئيس الجمهورية في السّاعات الأخيرة التي تسبق الانتخابات، وبقرارٍ خارجيٍّ في كثيرٍ من الأحيان.
فما ينطبقُ على المرشّح لرئاسة الجمهوريّة، هو الّذي ينطبق على المرشّح للانتخابات النّيابيّة، على أن يستقيلَ كلّ مرشّحٍ لرئاسة الجمهوريّة أو كان موظّفًا، قبل عامين من الانتخابات، وهذا لم يفعله قائد الجيش ميشال سليمان، الذي لم يستقلْ، بل جاء انتخابُهُ نتيجة تسويةٍ حصلت في الدوحة، باتّفاقٍ بين كتل نيابيّة.
إنَّ طلب المواصفات ليس شرطًا دستوريًّا، كما أنّ البرنامج غير ملحوظ في الدستور، بل خطاب القسم للرّئيس بعد انتخابه، يطرح فيه توجّهاته الّتي سيعمل بها أثناء تولّيه رئاسة الجمهوريّة، فهو لم يعد يمثّل السّلطة التّنفيذيّة الّتي أناطها الدستور بمجلس الوزراء مجتمعًا، فلم يعدْ رئيس الجمهورية يُسمّي رئيس الحكومة، بل مُلزمٌ باستشاراتٍ نيابيّة، والشّخص الذي يحصل على أكثريّة الأصوات يبلغ بحصيلتها رئيس مجلس النواب، ويتم الإعلان عن اسمه.
المواصفاتُ والبرنامجُ، هما مطلبان من خارج الدستور، ويدخلان في ما يسمّى "الأعراف"، كما الحوار الّذي يسبق الانتخابات، فهو يقع تحت إطار المبادرة، أو تحرّك الملفّ الرّئاسيّ، وهو ليس ملزمًا لأيّ نائب أو كتلة نيابيّة ويتمّ اللّجوء إلى الحوار، لحلّ أزمة، وهذا حصلَ سابقًا في لبنان، سواء بحوار داخليٍّ بين اللّبنانيّين، أو بدعوةٍ من الخارج، كما حصل في اتّفاق الطّائف عام ١٩٨٩، والدوحة في أيار ٢٠٠٨، وقد يحصل مجدّدًا، سواء عبر دعوة أو مبادرة الرئيس بري، أو الموفد الرئاسي الفرنسي لودريان، إذ تحدّث رئيس مجلس النّواب عن تكامل بين مبادرته وحراك لودريان.
ويتطلّبُ استمرارُ الأزمات في لبنان، إعادةَ قراءة نصوصِ الدّستور، للخروجِ من دوّامتها.

