سهى عيتاني - خاصّ الأفضل نيوز
بعد التمديد لمفتي الجمهوريّة اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان "تبّت يد" تيّار المستقبل من دار الفتوى. صحيح أن "التيّار" حاول سريعاً أن "يركب الموجة" والإيحاء بأنّه من أعدّ طبخة، إن كان من خلال اتصال التهنئة الذي قام به الحريري بدريان أو بتغريدة الأمين العام لـ"التيار" أحمد الحريري ثم بتغريدة أُخرى لرئيس "جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية" أحمد هاشمية.كل هؤلاء ومعهم ماكينة إعلامية تابعة لهم كانت تعمل لجعل التمديد، أشبه بثمرة زرقاء تُقطف على "بارد المستريح". ولكن الذين تابعوا الأمر من الدّاخل، يعرفون أن الحريري لم يكن يعلم بالطبخة إلا في أيّامها الأخيرة وبعدما تظهّرت إلى الخارج.
في الأصل، فإنّ التمديد لدريان كان هدفه توجيه الضربة القاضية إلى "الحريريين"
في الدار. هؤلاء كانوا يعملون قبل أيّام قليلة وكأنّهم الآمر الناهي في دار الفتوى، حيث تحالفوا مع دريان وقدّموا أنفسهم على أنّهم الأقوى على السّاحة البيروتية ليبدأوا بمرحلة تشكيل اللائحة التي سيخوضون على أساسها انتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في العاصمة.
وبالفعل، أقنع "المستقبل" المرشّحين أنهم قضوا على "حلم" الرئيس فؤاد السنيورة في تشكيل لائحة منافسة حتى يُفرغوا الساحة لأنفسهم، تماماً كما أقنعوا المرشحين أنّ تقديم "فروض الطّاعة" والانضمام إلى "اللائحة الزرقاء" يعني فوزهم المحقّق، وإلا فإنّ "المستقبل" سيطيح بهم.
"الحريريون" لم يخوضوا المعركة إلا بعد دراسة معمقة تمكّنوا من خلالها "الإمساك" ببعض الشخصيّات التي تمتلك شعبيّة داخل الهيئة الناخبة المؤلفة من نحو 160 شخصاً (بين موظفي فئة أولى وقضاة مدنيين وشرعيين ورجال دين..)، حتى لا تتعرض اللائحة لأي خرق محتمل.
الشيخ فؤاد زراد نموذج، هو الذي نجح في خرق لائحة المستقبل وحيداً في العام 2019، حينما كان "المستقبليون" صفاً واحداً، لا يختلف الحريري مع السنيورة، وإلى جانبهم دريان.
وكما زراد، كذلك كان "المستقبل" يُريد الاستفادة من ترشيح محافظ جبل لبنان محمد مكاوي الذي سيكون "مفتاحاً" لدى الموظفين من الفئة الأولى ومن القضاة المدنيين. وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على هاني شميطلي الرجل المعروف بأنه لم يكن مقرباً من الحريري يوماً، ويمتلك حيثيّته الشعبية الخاصة به. وبالتالي، سيفوز "المستقبل" من "جيب" هؤلاء ليُسجّل انتصاراً أشبه بالانتصار الوهمي على خصمٍ غير موجود، بعدما ثبت أن السنيورة لن يتدخّل في انتخابات "الشرعي".
وإذا كان "الزرق" يصارعون "الطواحين"، فإن المعركة كانت في مكانٍ آخر من دون علمهم ولا استشارتهم، لتأتيتهم "ضربة التمديد" بعد أن علموا أنّ لبعض السفارات العربيّة يداً بها وحصلت على مباركة من المملكة العربيّة السعوديّة.
وعليه، تيّقنوا أنّ السعوديّة لا تعمد إلى "رخي الحبل"، بل هي تُريد التأكيد أنّها لا تُريد التّعامل مع مرجعيّة سنيّة واحدة، وأكبر دليل أنّ التمديد قضى "في طريقه" على تدخّل السنيورة التاريخي في ملف دار الفتوى، خصوصاً أن المجلس الشرعي الذي كان محسوباً عليه سُرعان ما خرج أعضاؤه من حضنه، ليكونوا على الجبهة الأُخرى ويخوضون ضده "حرب التمديد" بعدما حضروا إلى الجلسة وأجمعوا على تعديل المرسوم 18 معاكسين بذلك رغبة السنيورة التي أعلنها في بيانه قبيل جلسة التمديد.
إذاً، نزعت السعودية "الشرعية" الممنوحة للحريري والسنيورة معاً في أهم ملف سني. وصار "المستقبل" أوهن من أن يخوض أي معارك ومنها انتخابات "الشرعي" في بيروت أو المناطق، خصوصاً بعدما تبيّن أنه ليس الأقوى على السّاحة، والأهم أن المجلس المنتخب لن تكون له الصلاحية التي كان يهتم بها "المستقبل"، أي انتخاب مفتٍ جديد خلفاً لدريان.
بالطبع، فإنّ رسالة التمديد غير مقتصرة على دار الفتوى وكف يد السياسيين عنها وهو ما تظهّر بغياب جميع رؤساء الحكومات عن جلسة التمديد، وإنما قضت على الاستئثار بالموقف السني العام الذي تحوّل على مر العقود الماضية إلى عرف بأن طريق السنّة في لبنان يجب أن تمر بـ"بيت الوسط".

