وفاء ناصر - خاصّ الأفضل نيوز
مهادنة لا مواجهة، معادلة سياسية حسمها رئيس مجلس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي حين أكد التزام الحكومة القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي بالتمديد لولاية القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان سنة كاملة، ملتفًّا على الصيغة الفرنسية بإعلانه استعداد الحكومة للتعاون مع اليونيفيل من خلال الجيش بغية حفظ الأمن في جنوب لبنان. والمعادلة نفسها زكّاها وزير الخارجية اللبنانية عبدالله بو حبيب خلال لقائه المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا عبر تشديده على أهمية استمرار التنسيق بين اليونيفيل والسلطات اللبنانية بما يتوافق مع اتفاقية "صوفا"، والعمل لإيجاد حلّ للنّقاط الحدوديّة البريّة المتبقية تعزيزًا للاستقرار في الجنوب وحفظًا لحقوق لبنان.
لكن الأمن المنشود لن يصبح مستتبًّا طالما تستمر الانتهاكات والاستفزازات والاعتداءات الإسرائيلية مستبيحة السيادة اللبنانية برًّا وبحرًا وجوًّا دون أن يقابلها أي ردع فعلي من القوات الدولية التي ما تنفك تكتفي بتسجيل الخروقات الفاضحة ويتسم تدخلها بالبرودة في ذروة الأحداث.
ما يضعها في خانة المحامي عن العدو الإسرائيلي إن لم تكن جاسوسا لديه، سيما أنها تمثل مجموعة دول لها غايات وأجندات متنوعة تتماهى في سياستها الخارجية مع مصلحة العدو.وهذا يتعارض في بعض تفاصيله مع الهدف المرجو منها لجهة تأكيد انسحاب العدو الإسرائيلي من جنوب لبنان إلى جانب اختلاف الصيغة المتبعة من مجرد حفظ الأمن إلى فرضه مع ما يرافق ذلك من تسيير دوريات والقيام بعمليات عسكرية تتناسب مع أهوائها ومصالحها.
والاحتمال الثاني هو الأقوى نظرا إلى أن الصيغة التي حاكها الجانب الفرنسي كانت تمهّد واقعا له، ما يجعلنا أمام استنتاج خطير يرتبط بترافق تعزيز دور اليونيفيل مع تنامي قدرة المقاومة ويبرّر فعليا التوجس من توسيع حرية حركة قوات اليونيفيل وصلاحية تحركها دون مواكبة الجيش أو التنسيق معه، بحيث تتحول مهمة قوات اليونيفيل من الحالة الأمنية الإنسانية إلى الاستخباراتية العسكرية.
كما أن تسلسل الأحداث يثبت أن تمركز اليونيفيل شمال الخط الأزرق هدفه تقييد لبنان في مقدمة لتطويقه، خاصة أن مجلس الأمن عزّز دور اليونيفيل بعد عدوان تموز ٢٠٠٦ بغية تهيئة بيئة استراتيجية جديدة في جنوب لبنان. ولنا حرية التفسير والاجتهاد.
ورغم المساعدات الإنسانية واللوجستية المتنوعة التي يقدمها عناصر اليونيفيل للمواطنين ورغم العلاقات الودية والإيجابية التي تسود بينهم إلا أن علاقة الأهالي بالمقاومة أمتن وأشد بأسا بحيث يتلاشى الاندماج التلقائي بينهم وبين جنود اليونيفيل عندما يستشعرون أي تطرف في السلوك من شأنه أن يشكل خطرا يهدد وجود المقاومة ومجاهديها، والأحداث الميدانية الأخيرة خير دليل على تصلب الجنوبيين في مواقفهم وتماهيهم في الدفاع عن أرضهم وحاميها. والجيش اللبناني الرصين كان الفيصل في مثل هذه الأحداث.
وفي ظل الخشية من التصادم بين عناصر اليونيفيل والشعب اللبناني الحاضن للمقاومة ربطا بالتوجس الأمني من توسيع حرية تحركات قوات حفظ السلام إلى جانب الأطماع الجيوبوليتيكية، تبدو الخيارات المطروحة الممكن اعتمادها داخليا على المستويين السياسي والعسكري للتقليل من وقع التقصير الحكومي الذي تسبب بهذا التمادي في خرق السيادة اللبنانية وهدر كرامتها متواضعة إن لم تكن معدومة.
غير أن ثمة ما يطمئن. إذ يبدو جليا عدم رضا العدو الإسرائيلي عن عمل قوات حفظ السلام وتريّثها في معالجة الأمور خاصة فيما يتعلق بمطلب إزالة الخيمتين، رغم كل الافتراءات التي يروج لها. بالإضافة إلى ذلك، فالعناصر نسجوا علاقات متينة مع الأهالي وهم غير مستعدين لارتكاب أي خطأ قد يطيح بهذه العلاقة أو يؤثر على تواجدهم العسكري والإنساني، ما قد يدفعهم إلى مغادرة الأراضي اللبنانية.

