كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
ما يجري في محافظةِ السويداء، في جنوب سوريا، من تحرّكات شعبيّة، محدودة العدد والمكان، للمشاركين فيها، تحت عنوان اقتصاديّ - اجتماعيّ، يتعلّق بتدهورِ سعر صرف الليرة السّوريّة، وغلاء المواد التّموينيّة والغذائيّة، فهي ليست بريئة، لأنّ من يتظاهرون هم أنفسهم الّذين تحلّقوا حول تنظيمٍ سُمّي "شيوخ الكرامة" الّذي كان يترأّسه الشّيخ وحيد البلعوس، الّذي قُتل في ظروفٍ غامضةٍ قبل سنوات، إضافة إلى أفراد ينتمون إلى مجموعات يساريّة كحزب العمل الشّيوعي وغيره، وهؤلاء حاولوا توريط السويداء وجوارها بالحراك الذي بدأ من درعا جارة السويداء، في مطلع عام ٢٠١١، وتحت عنوان سلميّ، ليتحوّل إلى مسلّحٍ والاستيلاء على مراكز الشّرطة والمخابرات وحزب البعث، وكان الهدف إسقاط النّظام السّوري، وفرض الاستقالة أو التّنحّي على الرئيس بشار الأسد.
هذا المخطّطُ الّذي بدأ في نهاية آذار ٢٠١١، وكان قد بدأ من تونس تحت مُسمّى "الرّبيع العربي" وانتقلّ إلى "مصر" فـ "ليبيا" فـ "اليمن" فـ "سوريا" وقبل ذلك في "ثورة الأرز" في لبنان في مطلع العام ٢٠٠٥، وكان مطلبها تنفيذ القرار ١٥٥٩ الصّادر عن مجلس الأمن الدّولي في ٢ أيلول ٢٠٠٤، ويطالب بانسحاب القوّات السّورية ونزع سلاح المقاومة، وجاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥، ليضع لبنان في المشروع الأميركي "للشّرق الأوسط الجديد" بتعميم "الفوضى الخلّاقة" وإقامة الديموقراطيّة، فكان الانسحاب السّوري في ٢٦ نيسان ٢٠٠٥، ولم ينجح فريق ١٤ آذار بنزع سلاح "حزب الله" الذي جرى نقاش حوله، على أن يكون بحثه من ضمن الاستراتيجية الدّفاعيّة، فكانت حرب تموز صيف ٢٠٠٦، التي أسقطت المشروع الأميركي الذي كانت تديره وزيرة الخارجيّة السّابقة كونداليزا رايس.
و"الشّرقُ الأوسطُ الكبيرُ"، أو الجديدُ كما أسماه الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لمشروعه، يهدفُ إلى تفتيتِ المنطقة، وفق خارطة رسمَها الصّهيوني - الأميركي برنارد لويس، في أحد كُتبه، عام ١٩٨١، وهذا ما ينفّذ منذ عقود، حيثُ ينجح المشروعُ في مكانٍ ويفشل في آخر، تُرافقه حروبٌ وأزماتٌ، وأنّ الاحتلال الأميركيّ للعراق في بداية ٢٠٠٣، الّذي غزته القوّات الأميركية، وأُقيم فيه نظامٌ "فدرالي"، وهو التّقسيم بذاته، إذ دخل العراق في حروب مذهبيّة وعرقيّة وأثنيّة، وكان آخرها ما جرى في كركوك بين الأكراد والعرب، وما يحصل في الموصل وغيره.
لذلك فإنّ المشروعَ الأميركي لتقسيمِ المنطقة لم يتوقّف بعد، وهو "سايكس - بيكو" ثانية، تكملة للأولى الّتي اتّفق الفرنسيون والبريطانيون عام ١٩١٦ على تقسيم المنطقة جغرافيًّا بينهما، وتوزيع إداراتها طائفيًّا ومذهبيًّا، فرسم لسوريا دويلات علويّة ودرزيّة وسنّيّة، لكن ثورة مضادّة قامت ضدّ التّقسيم، فأحبط المشروع، الّذي أتى بعد وعد "بلفور" عام ١٩١٧ الّذي أعطى اليهود كيانًا لهم لتحقيق حلمَهم التّوراتي بدولة من "الفرات إلى النيل".
وهذا ما كان سيحصلُ مع الحربِ الأهليّةِ، فأُقيمت الكانتونات، فكانت "دويلة مسيحيّة" من جسر كفرشيما إلى المدفون، "وإدارة ذاتيّة" سمّيت مدنيّة في الجبل بزعامة وليد جنبلاط، وقامت المنطقة الشّرقية والغربيّة، لكن المشروع انتصر على يد القوى الوطنيّة بالتّحالف مع سوريا، ولم ينفع الاجتياح الإسرائيلي لدعمه في "الشّريط الحدوديّ" المحتلّ عام ١٩٧٨، ولا الغزو الصّهيوني بتنصيب بشير الجميل رئيسًا للجمهوريّة، ليكون حليفًا للكيان الصّهيونيّ.
من هنا، فإنّ ما يجري في السّويداء وما يحصل في شمال سوريا وشرق الفرات من اشتباكات بين الأكراد والعشائر العربية، واندلاع اشتباكات في مخيم عين الحلوة، والدّعوة إلى "الفدرالية" من قبل أطراف لبنانيّة، يقوم أصحابها للعمل مع الإدارة الأميركية لتسويق ما يسمّى "المنطقة الحرّة" في لبنان، وهو المشروع الذي يتمّ تسويقه في السّويداء، حيث ينشط موفدون أميركيّون من الكونغرس الأميركي، حيث نُشر خبرٌ عن اتصال أجراه النّائب الجمهوريّ فرينش هيل مع أحد شيوخ العقل حكمت الهجري، الّذي يدعم حراك السّويداء، حيث رفع الصّوت بمقاومة الاحتلال الإيراني و"حزب الله"، وهي الشّعارات نفسها الّتي تصدر عن من كانوا يسمّون أنفسهم ١٤ آذار .
ونشرَت جريدةُ "الأخبار" وثيقةً نسبتها إلى سفارة عربيّة، بأنّ قائد المنطقة الوسطى الأميركية الجنرال جوزف موتيل يستطلع قبل سنوات مخيّم عين الحلوة، مع تحرّك لرئيس المخابرات في السّلطة الفلسطينيّة ماجد فرج، حيث اندلعت فيما بعد اشتباكات مخيم عين الحلوة، والّتي قد تتجدّد لأنّ اهدافها السّياسيّة والعسكريّة لم تتحقّق بعد، وأبرزها نزع السّلاح الفلسطينيّ، توطين الفلسطينيّين والإمساك بطريق المقاومة إلى الجنوب فالمعركة واحدة من السويداء إلى شمال سوريا وشرق الفرات وعين الحلوة، وهي تنفيذ مشروع تفتيت المنطقة.

