هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
بعدما عكفت إدارة الرئيس الأميركي جوزيف بايدن منذ فترة، على الترويج الإعلامي الممنهج والرامي إلى التصوير بأن زيادة انتشارها العسكري وتوسيعه في المنطقة، فضلاً عن تعديل تموضعها في العراق، وعند ضفتي الحدود المشتركة مع سوريا، ما هو إلا لما تم تسويقه عن عزمها قطع أوصال التواجد والتمدد الإيرانيَيْن، وتحديدًا تلك التي تربط طهران ببغداد، مرورًا بدمشق، ووصولاً إلى بيروت، اتضح جليًّا كيف كانت تسير الدبلوماسية الأميركية "المبتذلة"، وبخطىً متسارعة لإنجاز صفقة تبادل إطلاق سجناء من إيران والولايات المتحدة، فضلاً عن تحرير ستة مليارات دولار أميركي من الأموال الإيرانية المحتجزة في كوريا الجنوبية إثر الانسحاب الأحادي لواشنطن من الاتفاق النووي الإيراني إبان فترة حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
يذكر أنه في العاشر من شهر آب/أغسطس الماضي جرى الإعلان عن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يقضي بإطلاق سراح خمسة سجناء (مزدوجي الجنسية)، في مُقابل الإفراج عن سجناء ومعتقلين إيرانيين في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية المذكورة آنفًا. وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدورَيْن القطري والعماني اللذين بذلاً جهودًا كبيرة على مدى ثلاث سنوات، ناهيك عن رعايتهما مباحثات ونقاشات مكوكية غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بهدف خلق كوة في جدار وجهات النظر المختلفة، والعمل الدؤوب للمساهمة في إبرام اتفاقيات من شأنها أن تنهي مخاض الملف النووي الإيراني بالاتساق مع ملفات وقضايا عدة تؤرّق المنطقة والعالم.
إزاء ذلك كله، انهالت الانتقادات التي طالت هذه الصفقة متهمة الولايات المتحدة بتقديم هدية مجانية لإيران، إلا أن الواقع يشي بعكس ذلك تمامًا. فلا شيء مجاني في عالم السياسة والعلاقات بين الدول. وإذا ما استفضنا أكثر يتبيّن ما هي الغايات الأميركية الكامنة خلف هذه الصفقة:
- تعطّش بايدن الذي يزمع الترشح لولاية رئاسية ثانية في العام المقبل إلى تصوير الصفقة بأحد انجازات ولايته، وافيًا بالوعود الانتخابية التي سبق له أن قطعها بأن لن يترك أحدًا خلفه من الأميركيين، وبالتالي لن يترك أسيرًا أميركيًّا واحدًا خلفه؛ حتى وإن كان من "مزدوجي الجنسية"، الأمر الذي يقرّشه إنتخابيًّا فيما تكثر الشكوك حول مستواه السياسي.
- اتباع سياسة "العصا والجزرة" وازدواجية المعايير، عبر حشد قواتها في المنطقة وإعلان جهوزيتها للقتال في الشرق الأوسط، فيما تهادن طهران عبر هذه الصفقة شريطة التهدئة في الإقليم، والعدول عن فكرة عسكرة برنامجها النووي إلى حد إنتاج قنبلة نووية.
في المحصلة، لا يعني الاتفاق الإيراني-الأميركي أن ثمة حلول جذرية لكل الاشكاليات بين الجانبين، فقد سبق وأن أبرمت واشنطن وطهران عدة اتفاقيات في هذا الجانب وحدث الكثير من الصفقات لن ندخل في تعدادها. غير أن هذا الاتفاق لا يعني أنه سيقود بالتالي إلى إنهاء الخلافات وعودة العلاقات، أمر يصعب تأكيده في ظل بقاء الموانع الأميركية والإيرانية، على الرغم من تنامي الغضب العالمي إزاء أميركا، وتراجع نفوذها، وبروز قوى عالمية على المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري ما يفسح في المجال أكثر أمام إيران لتحديد بوصلتها التي توجهت شرقًا تباعًا عبر انضمامها إلى مجموعة "البريكس" ومنظمة "شنغهاي".

