كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
ما زالَ الموقفُ الرّسميُّ للبنان، من موضوعِ النّزوح السّوريّ ضبابيًّا أو رفضه قائد الجيش العماد جوزف عون " الخطر العامودي" وهو ما أفضى إليه وصول عدد من النّازحين إلى نحو مليونين و100 ألف، وفقَ تقريرٍ للأمن العام قبل حوالي عام، ليضاف إليهم موجة نزوح جديدة تحت عنوانٍ اقتصاديٍّ، إذ دخل إلى لبنان عبر المعابر غير الشّرعيّة نحو 8 آلاف نازح خلال شهر آب، وحوالي 20 ألف خلال الأشهر الأخيرة، بما يضع لبنان أمام تحدّيات خطيرة على الصّعد الماليّة والاقتصادية والاجتماعيّة والأمنيّة والديمقراطية، إذ كشف آخر تقرير إحصائيّ عن وجود نحو 3500 مؤسّسة يديرها سوريّون في منطقة بر الياس وقب الياس وأنّ عدد النّازحين في هذه المنطقة يبلغ نحو 120 ألفًا مقابل 30 ألف لبنانيّ.
فلم يعدْ موضوعُ النّزوح السّوري يشكّل وجهةَ نظرٍ بعد أن أبدَتْ كلُّ المؤسّسات الرّسميّة، إضافة إلى القوى السّياسيّة والحزبيّة ضرورة تنظيم عودتهم ولا يتمّ ذلك إلّا بحوارٍ وتفاوضٍ مع الحكومة السّوريّة الّتي كانت بعض الأطراف اللّبنانية ترفضُ الحوار مع النّظام السّوري لا بل كانت تشجّع على بقاء النّازحين "كثوّار" إن عادوا إلى سوريا سيقتلهم نظامُ الرّئيس بشار الأسد، وهذا ما كان يُعلنُهُ النّائب السّابق وليد جنبلاط، ومعه رئيس حزب القوّات اللّبنانيّة سمير جعجع، صاحب شعار فليحكم "الأخوان" (المسلمون) وحدّدَ مُهلةً زمنيّةً لسقوط الرّئيس الأسد، وهي مدّة شهرين من بدء الأحداث في سوريا في 26 آذار 2011.
فمواقفُ القيادات ما كان يسمّى 14 آذار كانت رغبات، ومنها قول جنبلاط، بأنّه ينتظرُ جثّةَ عدوّه على ضفّة النّهر، حيث التّمنّيات شيءٌ والواقعُ شيءٌ آخر، فصمدت سوريا جيشًا وشعبًا ومؤسّسات بوجهِ الحربِ عليها، والّتي كانت بقرارٍ أميركيٍّ كان يستهدفُ سوريا كدولةٍ في محور المقاومة وحليفةٍ لإيران وطريقِ عبورٍ للسّلاح إلى المقاومة في لبنان.
وإنّ دخولَ تركيا على الأحداثِ في سوريا ومشاركتها فيها مباشرةً عبر جيشها الّذي يحتلّ مناطق في شمال وشرق سوريا، أو عبر إدخال جماعات إرهابيّة إلى سوريا لا سيّما في جسر الشّغور وحلب وإدلب والحسكة ومنبج الخ...
من هنا وبعدَ مرورِ 12 سنة على الحربِ في سوريا وعليها، فإنّ نزوح المواطنين منها إلى دول الجوار في لبنان والأردن وتركيا وهي الّتي استوعبت العدد الأكبر إضافة إلى النّزوح داخل سوريا فإنّ لبنان لم يتعاطَ مع هذا الملفِّ بجدّيّة وأنّ المسؤولين فيه نظروا إليه على أنّه مرحليًّا فقبلوا بالمساعدات من الأمم المتحدة، ولم تكن كافية للبنان لسدِّ ما ينفقُهُ على الماء والكهرباء والطّرقات، وهو الواقعُ في أزمةٍ اقتصاديّةٍ وماليّةٍ، يعيش شعبه تحت خطِّ الفقر مع بطالةٍ تصلُ إلى نسبة 40% من اللّبنانيين.
فالأمم المتحدة تدفعُ للنّازح السّوريّ في تركيا 600 دولار شهريًّا وفي الأردن 200 دولار شهريًّا، أمّا في لبنان ما بين 125 و150 دولارًا، دون أن تتكبّدَ هيئةُ إغاثة النّازحين دفع المستحقّات الأخرى سوى ما يتعلّق بالتّعليم.
فالتّحذيرُ من خطر النّزوح السّوريّ أعلنه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من على منبر الأمم المتحدة، كما أنّ تركيا وعلى لسان رئيسها رجب الطيب أردوغان، تحدّث عن إعادة نحو مليون نازح سوريٍّ، بعد خروج 600 ألف، حيث يقع وبشكلٍ يوميٍّ حادثٌ أمنيٌّ بين الأتراك والنّازحين السّوريين الذين ينافسون المواطنين الأتراك تجاريًّا كما في لبنان.
ولم يغفلْ رئيسُ حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ملفّ النّازحين في لقاءاته الّتي أجراها في الأمم المتحدة لا سيما مع الأمين العام غوتيريش الّذي شكرَ لبنان على حسن الضّيافة للنّازحين، ولم يتحدّث عن عودتهم حيث أزمتهم مُرتبطة بقرارٍ أمميٍّ، بأن تدفع لهم المنظّمة الدوليّة في سوريا الآمنة، وتضع برنامجًا لعودتهم، لأنّ استمرار تمويلهم في لبنان، يدفعهم للبقاء، حيث بات النّزوح تجارة مربحة للنّازح، كما للذين يهرّبون النّازحين عبر المعابر غير الشّرعيّة.
فالرّئيس ميقاتي ما زال طرحُهُ خجولاً في إعادة النّازحين، ويراعي الدول الأوروبية ويهادن المشروع الأميركي لتوطينهم في لبنان، كما الحال مع الفلسطينين، وهذا ما دفع وزير شؤون المهجرين عصام شرف الدين إلى رفع السّقف بفتح البحر أمام توجّه النازحين إلى أوروبا، وهذا ما تخوّفت منه قبرص الّتي حذّر مسؤولون فيها من انهيار السّدّ في لبنان أمام النازحين، وستكون وجهتهم أوروبا، وهذا ما فعلته أيضًا تركيا في مرحلة، وقبضت الثّمن مساعدات لها.
فالنّزوحُ السّوريُّ لم يطرحْهُ لبنان في الأمم المتحدة كخطرٍ وجوديٍّ، بل تمّ عرضُهُ وتحدّياته دون أن يهدّد الرّئيس ميقاتي بفتحِ البحرِ.

