كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
كان لافتًا موقفُ النّائب السّابق وليد جنبلاط، من السّعودية، متسائلًا، ماذا تريدُ، لتخبرنا عن موقفِها من الوضعِ اللّبناني، لا سيما انتخابات رئاسة الجمهورية؟
لقد اعتادَ اللّبنانيّون على مواقف جنبلاط المُتناقضة، كما على تراجعِهِ عنها، وهو صاحبُ مقولة "تقديري كان خطأ"، وتلقّيت معلومات أو معطيات مغلوطة، ولديه من الجرأة بأن يعتذرَ عن ما يصدر عنه، وهي ميّزة عنده، ليست موجودة عند سياسيّين آخرين إلّا قلّة منهم.
فالجنبلاطيّة وهي زعامةٌ وتوريثٌ سياسيٌّ، فكان يُنقل عن المرحوم كمال جنبلاط، بأنّه عندما كان يصعّد من مواقفه، كان يريدُ مطلبًا يُلبّي مصالحه، سواء في تعيينات أو مكتسبات، فكان ينقلُ إلى الرّئيس فؤاد شهاب لائحةَ مطالب تبدأ من الاعتراف بالصين إلى انضمام لبنان إلى دول عدم الانحياز، ويختم اللّائحة، بتعيين موظّف أو تنفيذ مشروع في الشوف، وعندما كان يجلس مع الرئيس شهاب، ويقدّم له لائحة المطالب، كان ردُّه فورًا ابدأ من آخرها، فيُظهر ما يُريده مؤسّس الحزب التقدمي الاشتراكي.
وهذا الأداءُ الجنبلاطيُّ انتقلَ من الأب إلى الابن وليد ووصلَ إلى الحفيدِ تيمور، حيث عند كلّ تصعيدٍ للمختارة، كان يُربط بمطلب جنبلاطي، لم يحصل عليه، وهذا ما مارسه وما زال وليد، لا سيّما في مرحلة الرئيس رفيق الحريري، ووصلت إلى ابنه سعد.
فالهجومُ أو الانتقادُ الجنبلاطيُّ لا سيّما من وليد، لم يكن مجانيًّا، بل له ثمن، أو سعر، كما كان رفيق الحريري يقول عن السياسيّين اللّبنانيّين ما هو سعرهم؟
وكان مفاجئًا موقفُ وليد جنبلاط من السعودية، التي اتّهمها بعرقلة مهمّة "اللّجنة الخماسيّة" المكلّفة مُتابعة الملفّ اللبناني، والسّعي إلى حلّ أزمة انتخاب رئيس للجمهورية، حيث نعى الرّئيس السّابق للحزب التقدمي الاشتراكي مهمّة اللّجنة، محمّلًا المسؤوليّة للسعودية، الّتي لم تكن على وفاقٍ مع المبادرة الفرنسية الّتي حملها إلى لبنان الموفدُ الرئاسيُّ الفرنسيُّ جان إيف لودريان، في ثلاث زيارات له، إذ رأت الرياض في الحركة الفرنسية بطئًا، كما أنّها تسعى لأن يُنتخب رئيس للجمهورية من ضمن الطّبقة السّياسيّة، المتّهمة من قبل السعودية بالفساد، والتي لم تعد تثق بالمنظومة الحاكمة، ومنها جنبلاط الّذي لم تعد أبوابُ المملكة مفتوحةً أمامه كما في الماضي، وهذا الوضع ينطبقُ على حليفٍ آخر للسعودية وهو رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي حصل على دعمٍ ماليٍّ سعوديٍّ كما غيره من قوى سياسيّة وحزبيّة ومراجع دينيّة.
فالمسؤولون السّعوديّون، وعلى رأسهم وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، غيّروا من آدائهم في لبنان، فلم يعد الإنفاق فيه كما كان في السّابق، حيث تنعّم من أموال المملكة، عشرات لا بل مئات الأشخاص من سياسيّين أو حزبيّين، وكلها ذهبت إلى حساباتهم المصرفيّة، أو خزاناتهم المنزليّة، في حين أنّ اللبنانيّين وصلوا إلى حافّة الفقر المُدقع.
فلم تعد السّعودية، صندوقًا لتوزيع المال على المرجعيّات السّياسيّة والدّينيّة، كما كان يحصل في السّابق، فهذا زمن ولّى، وبدأ وقتُ الحسابِ، الّذي كان أوّل من خضع له سعد الحريري، الذي دفع الثّمن سياسيًّا بتعليق العمل السّياسيّ، ثمّ تصفية أعماله واستثماراته في السّعودية، فجاءت الرّسالة السّعودية إلى كلّ من له علاقة معها، فكان قرار الحكم الجديد في المملكة، لا أموال للبنان دون سؤال، أين ستُنفق، ولا حسابات لسياسيّين وحزبيّين، دون السّؤال عن الأموال التي أُعطيت لهم، وبات التّعاطي المالي مع لبنان عبر صندوقٍ استثماريٍّ، فيدفع المال على مشاريع يستفيد منها الشّعب اللّبناني، وليس المُنتفعين عنه وباسمه.
وفي هذا الإطار، فإنّ التّصعيدَ الجنبلاطيّ ضدّ السّعوديّة، وطرحه أسئلة مُشكّكة بدورها في اللّجنة الخماسيّة، كما في الاستحقاق الرّئاسي، يقرأه مُتابعون لسلوك جنبلاط السّياسي، بأنّ مطلبه قد يكون ماليًّا، بعد شحّ المال السّعوديّ عنه وعن آخرين غيره، إذ أنّ المملكة اتّخذت قرارًا، وهو لا مال دون إصلاح، ولا مساعدات لفاسدين في السّلطة، لأيّة جهة أو حزب أو تيّار انتموا.
من هُنا، فإنّ جنبلاط في موقفِهِ الجديد، قرّر قطع العلاقة مع السّعودية، أو توجيه رسالة تذكيريّة لمسؤولين فيها، بأنّنا هنا وفق ما تفسّر مصادر سياسيّة مواقف جنبلاط الأب، الذي يشغله الشّغور الرّئاسي، وصاحب دعوة للحوار، لكنّه مُربك، ويُخطئ أحيانًا في القراءةِ والاستنتاجِ، فهل قرأ خطأ هذه المرّة وشكّك بالسّعوديّة؟.

