وفاء ناصر - خاص الأفضل نيوز
لا يختلف اثنان أنّ في النّور حياةً وفي الظّلمة هلاكًا، وبين ثقافة الحياة وثقافة الموت بقعة ضوء حاول "الدّاهية" ولا يزال إطفاءها كي يقتلَ فينا الرّوح.
ينحو البعض روحانيًّا في تفسيره للنّور إلى الخالق والتّقرّب منه. والبعض الآخر يقرنه بالمنطق من خلال التّزوّد بالمعرفة وكشف أسبارها. أمّا آخرون فيجنحون نحو الفنِّ للوصول إليه.
غير أنّ المسلّمة البديهيّة المُترجمة لبنانيًّا بحذافيرها تربط النّور بالضّوء أيّ بالإنارة الكهربائية.
من البديهي أنّ الإنارة سواء عبر الاستفادة من ألواح الطاقة الشّمسية أو من خلال مؤسّسة كهرباء الدولة أو المولّد الخاص لها أثر بالغ في إضفاء رونقٍ مميّزٍ على حياتنا إن لم نقل الروح لها. وهذا ما لمسناه بعد انقطاع التيار الكهربائي المرتبط علنًا بنقص الفيول، وضمنيًّا بالمناكفات السياسية وسوء التّخطيط الإداري بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المحروقات.
وعمليًّا يبدو أنّ مَن خطّط ونفّذ حقّق مبتغاه. إذ انعكست آثار الظّلمة على كلّ جوانب حياتنا الماديّة والروحيّة.
وفي حين شكّلت فرصة لبعض محدودي الدّخل والقدرة الماديّة المُتدنّية لخوض تجربة الزّهد في الحياة وتعويض الفراغ القاتل عبر التّقرّب من الله علّه يساعده في تجاوز هذه المحنة مُتناسين أنّ الخالق لا يرضى بالذّلّ ويوافقه المنطق في ذلك، نبضت أحداث متفرّقة بروح فنيّة أنتجت مهرجانات واحتفالات تضجّ حياة مرهونٌ توقيتها بالمواسم والاستثمار السّياحي ويزكّيها الدّعم الماليّ.
غير أنّ في بلد العجائب والتّناقض، كلّ القصص والأحداث والعبر تفسّر على قياس قائلها أو مُستنبطها. حتّى الفنّ لم يسلم من الجدل البيزنطي.
مع اعترافنا الضّمنيّ والعلنيّ بجانبه المُبتذل والّذي يحظى بقدرة تسويق عالية لأسباب لم تعد تخفى على أحد، إلّا أنّ الفنّ الرّاقي يبعث فينا روحًا إيجابيّةً، يساهم في إثراء حياتنا بالجمال والتّفكير الإبداعي ويعدُّ وسيلةً للتّعبير والتّواصل تقرِّب المسافات وتربط بين الثقافات.
يقول مدير ثانوية حسن كامل الصباح الأستاذ عباس شميساني أنّ شعوب العالم وسائر الحضارات تُقاس بما أنتجت من علوم وفنون وآداب وليس بما أفرزته من انقسامات ونزاعات وحروب. ويطالب المسؤولين بحجز حيّز مهمّ للفنون الهادفة في المدارس والمناهج لتساهم في إعادة الأجيال إلى جادة الاعتدال والتّعايش وقبول الآخر. كما يشجّع على إقامة المناسبات الفنيّة الرّاقية واصفًا إيّاها بفرصة النّجاة الّتي تنقلنا من الجوّ المشؤوم والمشحون إلى فضاء المحبّة والفرح والنّور.
ويؤكّد شميساني على ضرورة تمسّكنا بالفنّ لأنّ معركتنا مع عدونا أعمق ممّا نتصور، هي معركة بقاء ووجود تطال الثّقافة والتّراث والقيم. وهذا التّمسّك يجعل من الجنوب مهدًا حقيقيًّا للانتصار ليس فقط بالبندقية والدّم وإنّما بالكلمة والفنّ الملتزم، ما يمكّننا من الارتقاء ليبقى لبنان منارة الفنون.
من جهتها تنظر مديرة أكاديمية قرية النجوم السيدة حنان شعيتاني، المدركة أنّ بناء الشّخصية يبدأ من مرحلة الطفولة، والتي استحدثت مدرسةً موسيقيّةً متكاملةً لتعليم الموسيقى بكافّة جوانبها إلى جانب البرامج التّعليميّة التي تقدّمها الأكاديمية، نظرة إيجابيّة للموسيقى خاصة في ما يتعلّق بالطفل لجهة جعله أكثر توازنًا على الصّعيد الشّخصي وانتقائيًّا في أفكاره مع ما يستتبعه من تحرّرٍ من الأفكار المُعلّبة المستوردة. فتأخذه الموسيقى بعيدًا نحو الرّقيّ والسّموّ مُبعدة إيّاه عن المشاريع القاتلة لأحلامه والمهدِّمة للقيم السّليمة التي تربّى عليها. "فيصبح بالتّالي ذلك الطّفل الصّغير بحجمه، الكبير بنضج سلوكياته".
ممّا لا شكّ فيه أنّ مشروع المدرسة الموسيقيّة المتكاملة في الجنوب هو بمثابة تحدٍّ للأفكار البالية والشاذة المستوردة التي تحاول تجريدنا من إنسانيّتنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، مثلما هو تحدّ للتّزمّت غير المدروس، نظرًا لحساسيّة الموضوع. والمواجهة تكون بالاستثمار الأنجح الذي يكمن في تعليم الأبناء وتمكينهم ليس فقط على الصعيد التربوي والأكاديمي وإنّما من خلال الفنّ السامي. فالتجربة الإنسانية أثبتت أنه يمثّل نافذةً مشرقةً على عالم الإبداع يمكن من خلاله التعبير عن المشاعر والأفكار بطرق بليغة الأثر، لا يقيّده دينٌ ولا عقيدةٌ. به نتخطّى المعالم الجغرافية والحدود الماديّة لننفض ألم الحياة، فنعود إليها بقلبٍ أكبر.

