كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
منذُ حادثةِ كوعِ الكحالة، الّتي انقلبَت فيها شاحنةٌ محمّلةٌ بالسّلاح "لحزب الله" وما نتجَ عنها من سقوط قتيلين، ومحاولة حزبي الكتائب و "القوات اللبنانية"، استعادة الحرب الأهليّة، التي كان هذا الكوع بما يرمز، أحد مُسبّبي اشتعالها، لظهور موكب فلسطينيّ مسلّح مرّ في البلدة التي تقع على طريق بيروت - دمشق، فإنّ الجيش تصرّف بحكمةٍ، ومارست قيادته أعلى درجات الانضباط، وعالجت الإشكال الذي وقع، بعدم توسّعه وحصره في المكان والزّمان، وهذا ما أثار غضب رئيس حزب الكتائب سامي الجميل على الجيش، ومثله فعل ابن عمه النائب نديم الجميل الذي وصف الجيش بأبشع النّعوت، وبأنّه حارس "ميليشيا حزب الله وسلاحه".
في هذا الوقتِ كان "حزب الله" يردُّ بتحيةِ تقديرٍ للجيش الذي هو من أحد ركائز الثّلاثيّة، "الجيش والشّعب والمقاومة"، فلم يصدر عن عناصره الّذين كانوا في الشّاحنة أو مرافقين لها، أيّ ردّ فعل سلبيّ ضدّ الجيش وقائده جوزاف عون، الّذي طلب من الضّباط والجنود في مكان الحادثة، أن ينقلوا الشّاحنة إلى أحد المقرّات العسكريّة، ويطبّقوا القانون، ضدّ من كان مواكبًا للشّاحنة، ويفتحوا تحقيقًا بما حصل، مع سقوط قتيلين أحدهما من أهالي الكحالة، ويسكن بالقرب من الكنيسة، التي انقلبت الشّاحنة أمامها، وآخر من "حزب الله".
فالموقفُ العقلانيُّ، ومنعُ تفلّت الوضع الأمنيّ، بالتّدابير التي اتّخذها الجيش، تركت ارتياحًا لدى قيادة "حزب الله"، ونوّه بها أمينه العام السيد حسن نصر الله، وبدأ توجّه جديد تجاه العماد جوزاف عون، الّذي يتمّ التّداول باسمه كمرشّح لرئاسة الجمهورية ولم يؤيّده "حزب الله"، لأنّ لديه مرشّح هو رئيس "تيّار المردة" سليمان فرنجية، إضافة إلى أنّ "حزب الله" يتوجّس من العلاقة التي تربط المؤسّسة العسكريّة بالإدارة الأميركية وتزويدها بالسّلاح، وإقامة دورات لضباط فيها، والاهتمام الذي يلقاه قائد الجيش من المؤسّسة العسكريّة والأمنيّة الأميركيّة.
"فحزبُ الله" لا يشكّكُ بوطنيّة العماد جوزاف عون، ولا يرتاب منه، لكنّه يخشى تكرار تجربة ميشال سليمان في رئاسة الجمهورية، حيث انقلب على المقاومة وسوريا، وتموضع في موقع الخصم، وراهن على سقوط النّظام في سوريا وتنحّي الرئيس بشار الأسد، وانهيار محور المقاومة، لكنّ رهانه فشل.
من هنا، فإنّ ممارسات الجيش لا يشوبُها شائبةٌ، وقيادته مستمرّة في "عقدنة" المؤسّسة العسكريّة، بأنّ إسرائيل هي العدو، ولم تترك وحداته المنتشرة عند الحدود مع فلسطين المحتلة، أيّ اعتداء على السّيادة اللبنانية، إلّا وتصدّت له، وهذا ما عزّز الثّقة بالجيش وقيادته، وكان آخر اختبار، هو شقّ طريق إلى مزرعة بسطرة، عند تخوم تلال كفرشوبا، بالرغم من استنفار قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي لم تمنع الجيش من أداء مهمّته، كما في كلّ مرّة، يتحرّك جنود الاحتلال باتجاه الأراضي اللّبنانية.
هذه الممارسات القتاليّة، للجيش اللّبناني، تركت أثرَها الجيّد لدى اللبنانيين عمومًا، والمقاومين خصوصًا، الذين لا يفرّقون بينهم وبين الجيش الذي تجمعه الثّلاثيّة.
لذلك كان اللّقاءُ بين رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد وقائد الجيش في منزل الضابط المتقاعد ديدي رحال وهو كان من مؤسّسي "التيار الوطني الحر"، ومساعدي العماد ميشال عون، لكنّه ابتعد عنه، حيث أعطي اللّقاء بعدًا رئاسيًّا، حيث أنّ اسم قائد الجيش مطروحٌ، كما كلّ من يتولّى قيادة الجيش عند أيّ استحقاقٍ رئاسيّ.
وجرت تفسيراتٌ عدّة للّقاء، وبأنّه موجّه لرئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، كما لمرشّح "الثّنائي الشّيعي" سليمان فرنجية، أنّ حظوظه بالرّئاسة مُتعثّرة، لكن كلّ هذه التّحليلات سقطت، عند زيارة رعد لفرنجية والتّأكيد له، على ثبات موقف "حزب الله" بأنّه المرشّح الوحيد له، وهذا ما ردّده أيضًا مسؤولون في الحزب، وكذلك فعلَ قائدُ الجيش عندما أعلن مؤخّرًا بأنّه ليس مرشّحًا، لكن هناك من يطرح اسمه.
ومع طيّ صفحة لقاء رعد - قائد الجيش، ظهر نائب الأمين العام "لحزب الله" الشيخ نعيم قاسم ليُشيد بالجيش وعقيدته القتاليّة ضدّ العدو الإسرائيلي، ودوره الداخلي في تثبيت الأمن، وهو ما تجلّى في حادثة الكحالة، حيث جرى تفسير هذا الموقف، على أنّه تأييدٌ لترشيح قائد الجيش، كمرشّح ثالث، مع فشل تأمين أصوات الثّلثين في الدورة الأولى، للمرشّح فرنجية والآخر جهاد أزعور الذي تقاطعت على اسمه ما سمّي بالمعارضة وانضمام "التّيار الحرّ" إليها.
ففي اللّقاء، ثمّ موقف قاسم وقبل ذلك إشادة السيد نصر الله بالجيش، تصبُّ كلّها أوّلًا لصالح المؤسّسة العسكرية، وأدائها، وإنّ ربطها برئاسة الجمهورية من المُبكر الحديث عنه، كما يؤكّد "حزب الله"، الّذي ما زال على ارتباطه بترشيح فرنجية، لكن ما صدر عن "حزب الله" تجاه الجيش وقائده، يسهّل انتخابه رئيسًا للجمهورية، إذا حصلت تسويةٌ، وتراجعت حظوظ فرنجية.

