عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
عطّلت أو جمّدت الاعتراضات من هنا وهناك مبادرة الرئيس نبيه بري الحوارية التي لم يكتمل نصابها السياسي بفعل رفض القوات اللبنانية لها من أساسها وملاحظات التيار الوطني الحرّ على آليتها، بحيث تقاطع الخصمان المسيحيان مجدّدًا عند عدم التجاوب مع حوار بري بعدما تقاطعا من قبل عند ترشيح جهاد أزعور.
يعرِف بري أن لا جدوى من الحوار إذا لم يشارك فيه التيار والقوات، أو أحدهما على الأقل، كونهما الأكثر تمثيلًا لبيئتهما، إذ أن محاولة التفاهم على هوية الرئيس الماروني تستوجب تلقائيًا وإلزاميًا مشاركة المكوّن المسيحي في أي مسعى من هذا النوع حتى يكون مفيدًا، وإلا يصبح بلا معنى، وفاقدًا للميثاقية.
من هنا، يوضح العارفون بأن بري رفض الدعوة إلى حوار شكلي بمن حضر لأن المطلوب ليس تسجيل النقاط على هذا الطرف أو ذاك وإنما إنتاج الظرف المؤاتي لانتخاب رئيس الجمهورية الذي يشكل الممر الإلزامي لإعادة الانتظام إلى الدولة ومؤسساتها الدستورية.
وما زاد أهمية مبادرة بري أنها بدت الفرصة الممكنة لإيجاد مخرج من النفق المسدود بعد انخفاض منسوب الآمال المعلقة على المجموعة الخماسية نتيجة افتقارها حتى الآن إلى مقاربة موحدة للحلّ المرتقب، وفق ما أثبته اجتماعها الأخير في نيويورك والذي عجز حتى عن إصدار بيان مشترك.
ولعل أسوأ ما في تداعيات عرقلة مبادرة بري يكمن في نسف محاولة لبننة الملف الرئاسي واستعادة المبادرة الداخلية في شأنه، بدل الاكتفاء بالانتظار على الرصيف الإقليمي - الدولي والاتكال المفرط على دور الوسطاء والموفدين.
وها هو الموفد القطري يملأ الخواء الداخلي ويستقطب الاهتمام بحراكِه الناشط في الكواليس بعيدًا من الأضواء، ساعيًا إلى وراثة مهمة زميله، بل منافسه الفرنسي المتعثر جان إيف لودريان، خصوصًا أن الدوحة صاحبة خبرة في الشأن اللبناني، وإن يكن هناك من يعتبر أن كل هذه الحركة سواءً كانت فرنسية أم قطرية ستبقى بلا بركة في انتظار حد أدنى من التفاهم الأمريكي - الإيراني.
واذا كانت حصيلة اجتماع اللجنة الخماسية قد شكلت إحباطا لعدد من الأوساط اللبنانية، فإن ما يدعو إلى الأسف والأسى أن يصبح هناك نوعٌ من التسليم الداخلي "الفطري" بأن الحل للأزمة الرئاسية هو خارجي، وبأن هوية الرئيس المقبل للجمهورية اللبنانية يحدّدها خمسة ناخبون كبار يمثلون عواصم إقليمية وغريبة (واشنطن وباريس والرياض والدوحة والقاهرة) وذلك في استسلام شبه كامل للإرادات العابرة للحدود.
وإذا كانت الواقعية تقتضي الاعتراف بدور المؤثرات الخارجية في الاستحقاق الرئاسي تاريخيًا، إلا أنه لا يجوز باسم تلك الواقعية التّخلي عن الحد الأدنى من السيادة والكرامة الوطنيتين و"تلزيم" اختيار الرئيس بالكامل إلى مجموعة دول، بحيث يصبح اللبنانيون مجرد كومبارس ويغدو همّهم فقط تقفي أثر الزوار الأجانب ورصد أمزجتهم وانفعالاتهم بعد خروجهم من الاجتماعات، فإذا ابتسموا ترتفع أسهم التفاؤل واذا تجهّموا يسُود التشاؤم.
والمفارقة المؤلمة أن انتظار وصول الشيفرة الرئاسية من عواصم القرار بات تقليدًا مألوفًا، لا يستفز ولا يغضب الكثيرين، وكأنه حصل "تطبيع" مع مبدأ التدخل الأجنبي، وصولًا إلى اعتباره أمرًا طبيعيًا.
لكن وعلى رغم بعض مظاهر الاهتمام الخارجي بالأزمة الرئاسية، إلا أن هناك من ينبّه إلى أن لبنان ليس أولوية جدّية على جدول اهتمام القوى الخارجية المؤثرة، وهذا ما يفسر التأخير في الحسم الرئاسي، خلافًا لما كان عليه الأمر في ملف الحدود البحرية الذي جرى حسمه عبر إنجاز اتفاق الترسيم لأنه، وبكل بساطة، وُجدت آنذاك إرادة دولية في إبرامه انعكاسا لمقتضيات مصالح استراتيجية.

