كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
مع توجّهِ حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي، رفع الدّعم عن الخبز، وفقَ ما أعلنَ وزير الاقتصاد أمين سلام، يكون لبنان دخل في مرحلة "اللادولة"، وهو عمليًّا وصلَ إلى هذا المصير، مع الإفلاس الماليّ، والانهيارِ الاقتصاديّ، وشللِ المؤسّسات الرّسميّة، وعرقلة انتخاب رئيس للجمهورية، وعدم التئام مجلس النّواب للتّشريع، بسبب معارضة كُتل نيابيّة مسيحيّة، مع نواب مستقلّين، وتبريرهم بأنّ مجلس النّواب هو هيئة ناخبة وليست تشريعيّة، كما أنّ الحكومة لم تتقدّم نحو إصلاحٍ فعليٍّ وحقيقيٍّ، حيث تأمين النّصاب لجلساتها المحدودة، يتمُّ عُنوة، وهذا كلّه يؤشّر إلى أنّ لبنان، يتّجه أكثر نحو تحلّل الدّولة، الّتي خرجت عن صفتها دولة "الرّعاية الاجتماعيّة" وهو ما يريده صندوق النّقد الدّولي لها، وهو ما طالبه ومارسه في دول أخرى تعثّرت ماليًّا وتراجعت اقتصاديًّا، فكانت لائحة الوصفات والتّوصيات، تقوم على وقف الدّعم، وتحرير سعر صرف اللّيرة، والتّوقّف عن رعاية المواطنين تربويًّا وصحيًّا واجتماعيًّا وتغييب الخدمات العامّة من مياه وكهرباء وهاتف، إضافة إلى تآكل البنى التّحتيّة من الطّرقات والمجاري الصّحيّة.
هذا التّوصيفُ هو ما يمرُّ به لبنان، منذ سنوات، وقد بدأت ملامح تعثّره المالي منذ منتصف التّسعينات حيث قامت السّياسة الماليّة للحكومات ما بعد اتفاق الطّائف، وخصوصًا أوّل حكومة ترأّسها رفيق الحريري في نهاية عام ١٩٩٢، إذ أتى برياض سلامة حاكمًا لمصرف لبنان، وطلب إليه تثبيت سعر صرف الليرة أمام الدولار حيث تمّ تخفيضه من ٣ آلاف ليرة إلى ١٥٠٠ ليرة، وظهرت معه الاستدانة، ولم يكن دين لبنان يتجاوز ٩٥٠ مليون دولار، وهو داخليّ، فاعتمد الحريري نهجًا ماليًّا يقوم على الاستدانة، حيث سيأتي السّلام على المنطقة مع العدو الإسرائيلي، وسينتعش لبنان، الّذي غرق في الدَّين وخدمته، فتناسى الحريري ومن كان معه من حلفاء في لبنان والخارج، أنّ "إسرائيل" تحتلّ لبنان، وهي لم تلتزم بتنفيذ القرارات الدوليّة، وسبق للبنان، أن وقّع معها اتفاق ١٧ أيار في عهد الرئيس أمين الجميل، الّذي وصل هو وشقيقه بشير على دبّابة الاحتلال الإسرائيلي إلى رئاسة الجمهورية، فاغتيل بشير على يد المقاوم حبيب الشرتوني، ولم يتمكّن الكتائبي أمين الجميل من الحكم، فقامت انتفاضة ٦ شباط ١٩٤٨، وأخرجته من بيروت عاصمة المقاومة، بعد اندحار العدو الإسرائيلي منها، حيث بدأ الاحتلال يتدحرج إلى أن حصل التّحرير في ٢٥ أيار ٢٠٠٠.
فالرّهانُ على سلامٍ مع العدو الإسرائيلي سقطَ، ففشلَ مشروع "الحريريّة السّياسيّة" في بناء اقتصاد قائم على "جنّة ضرائبيّة"، وعلى الخدمات والسّياحة والتّجارة، على أهميّة وجود ذلك، لكن اقتصاد الإنتاج غاب، ممّا وضع لبنان أمام مأزق، تأمين السّيولة، مع بلوغ الواردات نحو ما بين ١٧ و ٢٠ مليار دولار، مقابل صادرات بحوالي ٣ مليارات دولار، فأصاب العجز خزينة الدولة، كما النّاتج المحلّي والنّمو العام، فبدأ الانهيار من بلدٍ لا ديون عليه، إلى بلدٍ وصل دَينه إلى نحو ٩٠ مليار دولار عام ٢٠١٩، وخدمة دين سنويّة بنحو ٦ و٧ مليار دولار، فأسّس ذلك إلى هبوط سعر صرف الليرة، التي كان المسؤولون يدّعون أنّها بخير، في وقت كانوا يستنزفون أموال المودعين بالمصارف، التي كانت تقرض مصرف لبنان، الذي كان يحوّل الأموال إلى وزارة المال، لتصرف على الرّواتب وخدمة الدَّين، ولم يكن الاستثمار موجودًا في الموازنات المتتالية منذ عام ١٩٩٢.
وهذا المصيرُ للبنان، كان يجري التّحذير منه، سواء من نواب ووزراء وأحزاب ونقابات وخبراء ماليّين واقتصاديّين، إلّا أنّ الحكومات المُتعاقبة ومجالس النّواب، سكتوا عن ما يُدبّر للبنان، وهو إفقاره، لدفعه نحو السّلام مع إسرائيل، وبأنّ المقاومة هي التي تسبّب الكوارث، وهو ما يعلنه مناوئون للمقاومة، التي يُشيطنونها، ويحمّلونها المسؤوليّة، كي ينتفض الشّعب، ضدّها، بأنّها وراء الفقر والجوع وارتفاع سعر صرف الليرة، وخسارة القدرة الشّرائيّة للمواطن، فتوجّه أصابع الاتّهام إلى المقاومة، بأنّها وراء التّهرّب الضّريبي، كما البضائع، وتسكت عن الفساد، الّذي كان في صلبه حلفاء لها.
من هُنا، فإنّ الوصولَ إلى رفع الدّعم عن الرّغيف، وتوزيع بطاقات بنحو ٢٥ دولار شهريًّا للفقراء والمعوزين وأصحاب الدّخل المحدود، ليس سوى شرارة "ثورة رغيف" يتمّ التّحضير لها، من أصحاب السّوابق في تحريك الشّارع، خدمة لمشاريع أميركية - إسرائيلية، منها تقسيم المنطقة ولبنان من ضمنها، حيث ظهرت دعوة إلى الفدرالية، يجري العمل عليها، داخل الإدارة الأميركية من قبل جهات سياسيّة وحزبيّة وطائفيّة، تتلاقى مع التّحرّك في السويداء لإقامة "دولة درزيّة" وفي شمال وشرق سوريا "دولة كرديّة".
لقد كان تحرّك ١٧ تشرين الأوّل قبل أربع سنوات، نموذجًا لحراك وفوضى بدأ برفض رفع سعر "الواتساب"، ليتحوّل إلى المُطالبة بنزع سلاح المقاومة وتطبيق القرار ١٥٥٩، وهو ما ينتظر مع رفع سعر الرّغيف.

