هادي بو شعيا - خاص "الأفضل نيوز"
ليس بمقدور أيّ مواطن عربيّ شريف يُناصر ويُؤازر القضيّة الفلسطينيّة المحقّة والمقدّسة أن يفصل بين العواطف الجيّاشة التي تنتابه حين مشاهدته لحظة بلحظة مفاعيل ونتائج الهجوم الاستراتيجي والتّكتيكي الّذي قام به الفلسطينيون الجبابرة والأشدّاء (لن نذكر طرفًا معيّنًا أو حركة أو فصيلاً ففلسطين واحدة موحّدة!) في صباح يوم السبت الواقع في السابع من شهر تشرين الأول من العام 2023، حيث استفاق العدو الإسرائيلي على طوفانٍ من نوعٍ آخر ومن عالمٍ آخر لم يعتاد عليه الصّهاينة.
كما لم يعدْ للمقياسِ أو المعيار الزّمنيّ أيّ معنى في مقاربة إحدى أعتى العمليّات وأشدّها ذكاءً وفتكًا وتوهّجًا في تاريخ الالتحامات بين العرب عمومًا والفلسطينيين خصوصًا، وبين العدو الإسرائيلي الغاصب والمُنتهك لكلّ الأعراف والقوانين الدوليّة والخلقيّة والإنسانيّة.
... مرّت ساعات على ذاك الهجوم الكاسح الّذي شنّته المقاومة الفلسطينية على مستعمرات غلاف قطاع غزة، برًّا وبحرًا وجوًّا عبر ستارة أمطرت أراضي الكيان الغاصب بآلاف الصواريخ والقذائف. غير أنّ اللّافت في هذه الحيلة "المستحيلة أن يستوعبها عقل بدليل أنّ أشدّ المتفائلين بالفلسطينيين لم يكن يتوقّع حدوث مثل هذا الزلزال، كذلك لم يكن أكثر المتشائمين في إسرائيل من مستوطنين أو من دوائر المخابرات والجيش يخال له مشاهدة كوابيس في وضح النهار في قلب مستوطنات الغلاف.
لكن بعيدًا من حالة الغبطة التي تعتمر قلوبنا ونفوسنا لا بدّ من تسجيل بعض الملاحظات وتحليل ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في قادم السّاعات والأيّام.
صحيح أنّ إسرائيل تمتلك القدرة العسكريّة التي تسمح لها بالقيام بـ"الرّدّ غير المسبوق" حسبما أعلنت عنه بعد الاجتماع الأمنيّ المصغّر والذي يعرف بـ"الكابينت" لكن مشكلة إسرائيل أنّ صورتها اهتزّت كقوّة استخباريّة وعسكريّة بدرجة كبيرة، وهي التي تقدّم وتسوّق لنفسها أمام العالم وللدول العربية المحيطة بها على أنّها قادرة على مواجهة إيران وتريد أن تقود تحالفًا في هذا الصّدد، فكيف الحري بها أن داخل إسرائيل هناك من اجتاز حدودها "بإمكانيات محدودة" والتي لا تقارن بإمكانيات الجيش الإسرائيلي.
ولعل المشكلة الأعمق في إسرائيل أن هناك من بدأ بالحديث عن حرب وليس عمليّة عسكرية التي يمكن للقادة الإسرائيليين معرفة حدودها وكيفية التعامل معها عبر إلقاء القبض على منفّذيها أو القضاء عليهم، لكن هذه المرة لا أحد يعلم حدود ما يحدث، وبالتالي ليس بوسع العدو التعامل مع ما يحصل اليوم عبر وساطة مصرية من هنا أو قطرية من هناك.
إذ يشكّل الدخول عن طريق البرّ عاملاً غير اعتيادي للعدو الذي اعتاد أن يمارس قوة الاحتلال لقطاع غزة سواء عبر تحديد زمان الضّربة العسكرية أو التّلويح بها وحتى القدرة العسكرية لتنفيذ تهديدها؛ إلّا أنّ الجديد يتمثّل بتلقّي العدو الضّربة داخل إسرائيل على هذا النحو وبهذا الشكل من دون معرفة حدود الضربة غير المعروفة حتّى حينه والّتي تشمل مستوطنات عدّة، وعليه يشعر القادة الإسرائيليون بأنّهم بحالة حرب وليس كما جرت العادة عمليّة محدودة المكان والزمان.
ما تقدّم يقودنا إلى سيناريوهات عدة قد يقدم عليها العدو الإسرائيلي وسنعرضها في عجالة:
- القصف العنيف والمعهود لن يكون كافيًا فمكانة إسرائيل العسكريّة والأمنيّة والاستخباريّة على المحكّ.
- القصف البحري وارد بقوّة لكن هذا لن يكون كافيًا وكفيلاً بإعادة ترميم صورة إسرائيل في الدّاخل والخارج.
- القيام بعمليّة برّيّة، الأمر الّذي يعطي انطباعًا بأنّها تتحرّك بقواتها إثر حشدها لعشرات الآلاف من جنود الاحتياط، لكن لن تكون عمليّة سهلة، خصوصًا أنّ الجانب الفلسطيني من خطّط لهذا الطّوفان وهو يعلم تمامًا أنّ احتمال الرّد بعمليّة بريّة وارد بقوة، وكذلك يعلم القادة العسكريون في إسرائيل مدى صعوبة هذه العملية التي دونها كمائن محكمة ومدروسة، ومن هنا تكمن تعقيدات العملية البرية، ناهيك عن وجود مسلّحين فلسطينيين داخل ثلاث مستوطنات على أقل تقدير تضمّ مدنيين وعسكريين تمّ نقلهم إلى داخل قطاع غزة.
في المحصلة، صحيح أن إسرائيل قادت معركة إعلامية وسوّقت بأنّ حركة حماس شنّت هجومًا إرهابيًّا استهدف أراضيها لكسب الرأي العام الدولي بغية الرّد بقوة على هذا الهجوم، لكن المعركة الإعلامية شيء وما يحدث وسيحدث ميدانيًّا شيء آخر. وهنا تكمن الحسابات المعقّدة حول كيفيّة تنفيذ العمليّة بأقل الخسائر الممكنة لترميم صورتها، لكن المهمة ليست بالسّهولة التي قد يعتقدها البعض. أمّا بالنسبة للفلسطينيين فقد تمكّنوا من تسطير ستاتيكو جديد لا بدّ من تضافر الجهود كافّة للبناء عليه.

