خالد عرار - خاصّ "الأفضل نيوز"
أصاب بعض السياسيين القلائل ومعهم عدد من المراقبين حين توقعوا أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بإجهاض كل المبادرات التي لها علاقة بملف الانتخابات الرئاسية في لبنان ، وآخرها مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري والتي حظيت بتَبَنٍ فرنسي متين ، والتي تلقفها رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل واعتبرها تلبي شروطه ، وأيدها البطريرك الراعي داعياً إلى التجاوب معها لأنها تضمنت نقاطاً تحاكي طموحات القوى المسيحية المعارضة.
تقول مصادر مطلعة إنه حين لمست الإدارة الأمريكية أن مبادرة الرئيس بري اقتربت كثيراً من تحقيق الإجماع الوطني ، سارعت إلى استخدام حق الفيتو الذي منحتها إياه دولة خليجية وبعض من في الداخل من أدوات.
تتابع المصادر بالإشارة إلى أن استقدام الموفد القطري إلى لبنان ليقيم فيه لفترة طويلة من الزمن ، يقوم خلالها بجولات مكوكية على القوى السياسية المؤثرة بالملف الرئاسي ويتداول ببورصة أسماء ترتفع أسهمها على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المؤسسات الإعلامية ثم تعود في اليوم التالي لتهبط إلى حد الإفلاس ، إنما يهدف إلى تقطيع الوقت بانتظار اللحظة المؤاتية التي تسعى إليها الإدارة الأمريكية من خلال الوساطات التي تجريها مع الرئيس نبيه بري لإقناع حزب الله بالحوار المباشر والتفاوض على ملفات في غاية الأهمية بعيدة كل البعد عن ملف الانتخابات الرئاسية في لبنان.
ولعلَّ زيارة هوكشتاين الأخيرة التي فاجأت العديد من السياسيين وحيّرت المتابعين بتوقيتها وغايتها ، قد اتضحَ في ما بعد أنها كانت لجسّ النبض بمسألة الترسيم البري للحدود مع فلسطين المحتلة ، علماً إن هذه الحدود مرسّمة وترسيمها مثبت في الأمم المتحدة. ولا ننسى أن أمريكا وإسرائيل هما من الدول التي وافقت على الترسيم ، أما بعض النقاط التي يتواجد فيها جيش العدو الصهيوني فإنما يشكل تواجده فيها تواجداً عدوانيًّا احتلاليًّا، ومن هذه النقاط القسم الشمالي لبلدة الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا والتي ستحررها المقاومة عاجلاً أم آجلاً.
وبعدَ إجهاض المبادرات وزيارة هوكشتاين الأخيرة إلى لبنان زار وفد أمريكي رفيع المستوى رئيس مجلس النواب نبيه بري وقدم له اقتراحاً ليبلغه لحزب الله يتضمن رغبة الإدارة الأمريكية بإجراء مفاوضات مباشرة مع قيادة الحزب حول ملفات ساخنة وتحمل أهمية استراتيجية قصوى فكان ردُّ حزب الله برفض أيِّ حوار مباشر.
و تشير المصادر إلى أن ثمةَ من يعتقد أن موضوع الترسيم البري هو الغاية الأمريكية القصوى وهذا الاعتقاد خاطئ لأن الأمريكي يدرك بأن الحدود مرسّمة لكنه سينطلق من هذا العنوان كمدخل إلى الملفات الاستراتيجية لإيجاد حلٍّ لها ، ومنها إقناع حزب الله بتخفيض مستوى المخاطر التي يرفعها يوميًّا بوجه العدو الإسرائيلي على الحدود مع فلسطين المحتلة ،في مقابل استرجاع كل النقاط التي يحتلها هذا العدو في الجنوب اللبناني، لأن رفع مستوى المخاطر في الجنوب يرى فيه الأمريكي خطراً كبيراً على الكيان الصهيوني إذا انزلقت المواجهة بين الفلسطينيين، الذين يوجهون ضربات نوعية في الضفة الغربية، و الصهاينة المعتدين، لا سيما وأن المواجهة قد شملت كل المناطق الفلسطينية حتى أراضي ٤٨ ، وقد يرى حزب الله في هذه المواجهة فرصته للانخراط فيها ومعه كل محور المقاومة وسط انقسام عامودي، أفقي، طبقي، عنصري ،شرقي ،غربي، ديني وعلماني يعيشه المجتمع الصهيوني في فلسطين المحتلة ،ووسط ترهل كبير في وحدات الجيش الإسرائيلي وتراجع الحوافز العقائدية لديه وهذا ما أكدته مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية والصهيونية، وفي مقابل تعاظم قدرات المقاومة في لبنان وفلسطين وكل المحور عديداً وعتاداً .
وأما الملف الاستراتيجي الآخر فيتمثل في أمن الطاقة في البحر المتوسط ويشكل هاجساً كبيراً لدى الغرب خصوصاً على أبواب فصل الشتاء. ويدرك الأمريكيون ومعهم الغرب أن أمن الطاقة في البحر الأبيض المتوسط بيد إسرائيل وحزب الله والذي يمتد تأثيره حتى باب المندب ،ولكي تضمن الولايات المتحدة الأمريكية سلامة استجرار الطاقة إلى الغرب عبر البحر الأبيض المتوسط لا بد لها من إجراء تفاوض مع حزب الله وقد يكون هذا التفاوض عبر الحكومة اللبنانية أو مرجعية سياسية بارزة وقد يضطر الأمريكي إلى تقديم تنازلات تفاجئ كلًّا من المراهنين عليها من حلفاء في الإقليم أو أدوات في الداخل ،لأن الثمن وفق المصادر نفسها لن يكون أقل من تحرير كل النقاط التي ما زال يحتلها العدو الصهيوني من الأراضي اللبنانية، ورفع الحصار كليًّا عن لبنان كذلك رفع العقوبات عن المؤسسات والأفراد التي طاولتها تلك العقوبات الظالمة .وقد يكون لقانون قيصر نصيب من هذه التنازلات الأمريكية لأن هذا القانون أضر بلبنان ضرراً كبيراً خصوصاً في موضوع استجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن وحال دون أي زيادة في ساعات التغذية في التيار الكهربائي علماً أن هذا الاستجرار قد كان الوعد الذي قطعته السفيرة الأمريكية في لبنان دوروثي شيا للالتفاف على ما قام به حزب الله في السنة الماضية من تأمين لمادة المازوت لكل اللبنانيين والعديد من المؤسسات الرسمية والإنسانية .
وختمت المصادر بقولها، خلافاً لكل ما يعتقده البعض في لبنان، بأن ملف الانتخابات الرئاسية لن يكون على طاولة التفاوض بل سيكون أمراً ثانوياً يناقش في الممرات الجانبية ومن المرجح أن تعود مبادرة الرئيس بري فيما بعد لكي تكون المعبر الرئيسي لانتخاب رئيس للجمهورية بعد أن تلقى تأييداً واسعاً من كل القوى السياسية لا سيما القوى التي عارضتها ، ويبقى الوزير السابق سليمان فرنجية الاسم الثابت والوحيد لدى الثنائي الوطني وحلفائه، وإن كل الضجيج الذي يثار حول احتمال تخلي هذا الثنائي عن فرنجية غير صحيح ويجافي الواقع .

