كمال ذبيان - خاص "الأفضل نيوز"
لم يعد النّزوحُ السّوريُّ إلى لبنان، وجهةَ نظرٍ، كما كان مع بداية الأحداث في سوريا، في ٢٦ آذار ٢٠١١، فانقسمَ اللّبنانيّون بين مؤيّدٍ للنّظام فيها، على أنّه مستهدف لأنّه في محور المقاومة، وطريق عبور للسّلاح إلى المقاومة، والفريق المُعارض رأى في الأزمة السّوريّة، بداية تغييرٍ بدأه الشّعب السّوريّ لإسقاط حكم الرئيس بشار الأسد، ومعه حزب البعث الذي وصل إلى السّلطة في ١٩٦٣، حيث قام الرّئيس السّوري الرّاحل حافظ الأسد بحركة تصحيحيّة، داخل الحزب الحاكم، وأخرج منه رفقاء له، وزجّ بعضهم في السّجن، وانتهج أداءً مختلفًا عمّا كان قبل سنوات.
"فالرّبيعُ العربيُّ" الّذي انطلق من تونس في كانون الأول ٢٠١٠ ووصل إلى ليبيا ومصر واليمن وسوريا، كان الهدف منه، إقامة حكم الإسلام السّياسيّ المعتدل، الّذي رأت أميركا، بأنّه يتمثّل في تنظيم "الأخوان المسلمين"، الّذي أوصلته واشنطن إلى الحكم في تركيا الّتي أقام فيها مصطفى أتاتورك "علمانيّة" بعد تأسيسها للجمهوريّة في العام ١٩٢٦، فكانت أنقرة، هي أوّل تجربة لحكم "الأخوان المسلمين"، كبديلٍ عن "تنظيم القاعدة" الّذي استخدمته أميركا في أفغانستان ضدّ النّظام الشّيوعي المُوالي للاتحاد السوفياتي، الّذي كان بدأ يشهد في نهاية الثمانينات بداية انهياره مع منظومته الاشتراكية، لكن "القاعدة" الّتي ترأّس تنظيمها أسامة بن لادن، انقلبَ على أميركا، ونفّذ تفجيرات ١١ أيلول ٢٠٠١، الّذي استهدف بُرجَي نيويورك ووزارة الدفاع، وكان القرار الأميركي، استبدال "الإسلام المتطرّف" بآخر معتدل يمثّله "الأخوان المسلمون"، فكان أوّل دعم لهم في تركيا، ثمّ في إطلاق ما سُمّي "ثورات ملوّنة" تفتح الطّريق أمام "الإسلام السّياسي" نحو الحكم، وهذا ماحصل في تونس ومصر وليبيا واليمن، ووصلت ثورة "الشّعب يريد تغيير النّظام" إلى سوريا، حيث كان يقف وراء هذا التّحرّك المخابرات الأميركية، التي لقيت دعمًا سياسيًّا، فصرّحت وزيرة الخارجيّة الأميركية هيلاري كلينتون، بأنّ "الرّبيع العربيّ" هو صناعة أميركية ليحكم الأخوان كما قال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي رفع هذا الشّعار متناغمًا مع المخطّط الأميركي، في تعميم "الفوضى الخلّاقة"، وإسقاط أنظمة عربية، تحكم منذ عقود، عبر الحزب الواحد، أو الزّعيم الأوحد، والعائلة الواحدة، فكانت سوريا، من ضمن دائرة الاستهداف، وهي التي تجاور تركيا التي يحكم "حزب العدالة والتنمية" برئاسة رجب طيب أردوغان، الّذي أتى بالجماعات الإسلاميّة السّياسيّة والتّكفيريّة لإسقاط النّظام السّوري، الّذي رفض الرئيس الأسد أن يشاركه "الأخوان المسلمون"، وهم الذين ارتكبوا المجازر بحقّ الشّعب والجيش السوري منذ سبعينات القرن الماضي، فكلّف هذا الموقف للرئيس الأسد، أن جهّزت تركيا مجموعات مسلّحة، ودعمت ضبّاطًا في الجيش السوري، انقلبوا على القيادة، وكانت معركة جسر الشّغور في إدلب، أوّل رسالة للنّظام ليسلّم الحكم للأخوان المسلمين، فرفض ذلك، وبدأت الأحداث تتدحرج، مع دخول أميركا مباشرة على خطّ الحرب على سوريا، من خلال جبهتين في تركيا والأردن، إضافة إلى إسقاط مخيم اليرموك عبر "حركة حماس"، ومناطق أخرى، استضاف فيها "الأخوان المسلمون" والجماعات التّكفيريّة الّذين جاؤوا من كلّ الدول، فتأسّست "داعش" "وجبهة النصرة"، وما كان من مطالب اقتصادية - اجتماعية، تحوّل إلى حرب عسكريّة خاضتها "الثّورة السّلميّة" لإسقاط النّظام، الّذي صمد بمساندة إيران وروسيا "وحزب الله" وبدأ تفشيل المؤامرة، الّتي لم تترك منطقة إلّا ووصلت إليها الحرب، ممّا رفع من حركة النّزوح، ونال جوار سوريا النّصيب الكبير منه، وكان للبنان حصّة الأسد، فكلّما تطوّرت الحرب، ولم تعد مناطق سورية آمنة، كان الآلاف من النّازحين يأتون إلى لبنان، عبر معابر شرعيّة وغير شرعيّة، وإقامات قانونيّة، أو دخول خلسة، فارتفعت تجارة البشر، إلى أن بلغ العدد نحو مليونين وأكثر .
لم تكترث الحكوماتُ اللّبنانيّة لخطر النّزوح من بدايته، والبعض ربطه بفترةٍ زمنيّة، ويسقط النّظام السّوري ويعودون، إلّا أنّ حسابات أطراف لبنانيّة داخليّة، كانت خاطئة، في وقت رفضت أوروبا، وصول النّازحين إليها، حيث بدأ يظهر خطرهم الوجودي، وأنّ الحكومة اللبنانية، تخشى مفاتحة النّظام السّوري بعودة النّازحين الآمنة، إلّا ما قام به وزير المهجّرين عصام شرف الدين، من مبادرة شخصيّة، وكذلك ما فعله الأمن العام اللّبناني، ودور مديره السّابق اللّواء عباس ابراهيم والحالي اللواء البيسري، الّذي اعترف أنّ نسبة النّازحين السّوريين هي ٤٢% من اللّبنانيين، حيث رافق التّقصير الحكومي، إصرارٌ أوروبيٌّ أوّلًا، وأميركيٌّ ثانيًا، ببقاء النّازحين في لبنان، حتّى عدم عودتهم إلى سوريا، لاستخدامهم كفتيل تفجير أمنيّ وإشعال فتنة لبنانية - سورية، ستأخذ طابعًا طائفيًّا، إذ أظهر حادث الدورة، وقبله حوادث أخرى مدى التّعبئة ضدّ النّازحين السوريين، لا سيما في مناطق نفوذ حزبَي "القوات اللبنانية" والكتائب، حيث يحرّضان ضدّ النّزوح السّوري، ويُعيدون تكرار التّحريض الّذي استخدم ضدّ الجيش السّوري، والعمالة السّوريّة، وهذا يؤسّس لحرب أهليّة، حيث خرجت أصوات لا سيّما من طرابلس، تدّعي أنّ السّنّة من السّوريّين يتعرّضون للضّرب والقتل.

