عماد مرمل -خاصّ الأفضل نيوز
جرف طوفان الأقصى آخر ما تبقى من هيبة جيش الاحتلال، وكذلك أوهام التطبيع والسلام، وأسقط قواعد الاشتباك القديمة والنمطية، فارضًا معادلات جديدة ومبتكرة للصراع، وراسما بالدم خطًّا فاصلا بين ما بعد 7 تشرين الأول 2023 وما قبله.
إنه طوفان العزة والكرامة والبطولة والشجاعة الذي اقتلع الحدود المصطنعة بين غزة وعمقها الفلسطيني المحتل، فأعاد تصحيح الجغرافيا والتاريخ، بعدما حاول العدو تشويههما وتحويرهما عبر عقود من الاحتلال.
إنه طوفان الأحلام الممكنة بتحرير كل الأراضي المحتلة واستعادة المقدسات الإسلامية والمسيحية، في مواجهة السعي الدؤوب للكيان والمنهزمين في داخلهم من العرب، إلى تكريس ثقافة التفوق الإسرائيلي وضرورة الرضوخ له باسم الواقعية.
لم يعد هناك بعد اليوم من مكان للمستحيل عقب الملحمة الأسطورية للمقاومة الفلسطينية التي ألغت المسافة بين الخيال والواقع، على رغم الحصار ومحدودية القدرات العسكرية بالمقارنة مع تلك التي يملكها العدو.
لقد حققت معركة طوفان الأقصى أهدافها الاستراتيجية في ساعاتها الأولى، بمعزل عما حصل وسيحصل بعد ذلك في الميدان. وحتى لو استعاد الاحتلال السيطرة على المستوطنات التي اقتحمها المقاومون أو وجه ضربة قاسية إلى غزة، فإن شيئًا لن يمحو مفاعيل هجوم 7 تشرين الذي حطم فلسفة وجود الكيان وثقته المنتفخة في نفسه وجيشه.
لم تسيطر المقاومة الفلسطينية فقط على مجموعة من المستوطنات بل أيضا، وهذا الأهم، على الوعي الإسرائيلي الذي تلقى صدمة غير مسبوقة من شأنها أن تدفعه إلى إعادة صوغ الحقائق المتصلة بالصراع ربطا بما جرى على الأرض، بعيدا مما كان يفترض أنها بديهيات لم تصمد أمام إرادة المقاومين.
ربما لا تطول إقامة مقاتلي "القسام" في الأراضي المحررة ضمن نطاق غلاف غزة، لكنهم بالتأكيد سيبقون طويلا في الوعي الإسرائيلي حيث سيتحولون إلى عقدة مستحكمة وهاجس مقيم.
إنَّ اقتحام المستعمرات والمواقع المعادية بوسائل متنوعة، و"التنزه" في داخلها بأريحية، وإلحاق خسائر كبيرة بالمتواجدين فيها، وأسر أعداد كبيرة من الجنود والمستوطنين، واستخدام كثافة صاروخية في قصف عمق الكيان .. كلها "كوابيس" للعدو سترافقه على مستوياته كافة حتى أمد غير محدد وستلقي بظلالها على مستقبله الغامض.
والأكيد أن رصيد هذه الضربة النوعية سيدخل تلقائيًّا إلى الحساب المشترك لمحور المقاومة الذي بات أقوى من أي وقت مضى.
ولعلَّ طوفان الأقصى، على دلالاته الواسعة ورمزيته الغنية، هو "بروفة" أو "عينة" عن الطوفان الأكبر الذي سيغطي الكيان في أي حرب مع حزب الله الذي سيستفيد كثيرا من هذه التجربة وسيبني على دروسها استعدادًا لكلِّ الاحتمالات.

