أكرم حمدان – خاصّ "الأفضل نيوز"
يحلُّ تاريخُ السادس من أكتوبر/تشرين عام 2023 وهو يوم وتاريخ مجيد في حياة الأمة العربية، لأنه يُشكل اليوبيل الذهبي لمرور 50 عامًا على نصر أكتوبر.
هذا التاريخ الذي سجلت فيه العروبة التكاملية الجامعة أولى ترجماتها العملية على الأرض، فكانت حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 ميلاديا والعاشر من شهر رمضان 1393هـ، والتي تُعتبر من أهم الحروب في التاريخ العربي الحديث.
وبيّنت الوقائع كما كشفت الوثائق السرية المتعلقة بتلك الحرب، كم كان عظيماً وكبيراً الموقف العربي الموحّد وكم أن العروبة الجامعة والتكاملية ، هي مفتاح النصر والانتصار في أي مواجهة أو معركة مع العدو في شتى المجالات.
وكشفت وثائق بريطانية أُفرج عنها عام 2004، عن صدمة لندن وواشنطن، جرّاء الموقف العربي، خلال تشرين الأول/أكتوبرعام 1973، بعد أن استبعدتا التجرؤ العربي على وقف ضخ النفط.
ويروي أنتوني بارسونز، الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية آنذاك، أن وزير الخارجية الأميركي ويليام روجرز قلّل من شأن تهديدات العرب باستخدام النفط سلاحاً للضغط على الغرب لإجبار "إسرائيل" على الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967.
وكشفت الوثائق،عن أن الولايات المتحدة "فكّرت في الاستيلاء على حقول النفط" في الخليج بعد فرض الحظر.
ومن المعلوم أن الدول العربية المصدِّرة للنفط ، ولا سيما السعودية والعراق والجزائر والكويت والإمارات وقطر، قرّرت حينها رفع أسعار النفط بنسبة 17% وخفض إنتاجها، مع حظر فرضته على تزويد الدول التي تؤيد "إسرائيل" بالنفط.
كما ساهمت الدول العربية قاطبة بإرسال دعم مادي وبشري ولوجستي للجيشين المصري والسوري على جبهات المواجهة مع العدو.
فالجزائر أرسلت طائرات ميج 21 ولواء مدرّع إلى مصر وقام الرئيس الجزائري هواري بومدين بزيارة إلى موسكو ودفع مبالغ مالية للاتحاد السوفييتي ثمن أية أسلحة أو ذخائر تحتاجها مصر وسوريا، كما أرسل العراق طائرات هوكر هنتر لمساعدة القوات الجوية المصرية، وساهمت المملكة العربية السعودية بالتبرع بـ 200 مليون دولار وإرسال 20 ألف جندي إلى سورية ، كما ساعدت ليبيا عن طريق شراء أسلحة ومعدات عسكرية وكذلك فعلت بقية الدول العربية مثل الأردن والمغرب.
ومن أهم سمات تلك الحرب اقتحام المانع المائي في قناة السويس وخرق المنطقة المحصّنة في الجولان، وانتقال زمام المبادرة إلى الجانب السوري -المصري للمرة الأولى بعد حرب 1948.
ومن نتائج تلك الحرب ، نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وتدمير القوات المصرية خط بارليف الإسرائيلي وتدمير تحصينات الجيش الإسرائيلي وتحرير سيناء وطابا وتدمير الجيش السوري لخط آلون في الجولان.
هزّت الخسارات البشرية والمادية التي لحقت بـ"إسرائيل" كيانها بعنف وأصابتها بصدمة ما زالت آثارها حتى اليوم ، على الرغم من الدعم الأميركي غير المحدود، وبرهنت على أن هزيمة العدو وإجباره على التقيّد التام بقرارات الأمم المتحدة والتخلي عن الأراضي التي يحتلها لا يتحققان إلا بحرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف طاقته البشرية والمادية والمعنوية.
وكشفت الوثائق السرية الإسرائيلية حول "كابوس تشرين" حجم الهلع الذي عاشه الإسرائيليون آنذاك،واستخدام جنرالات العدو تعابير مثل:" كارثة، انهيار، حاضر أسود ومُستقبل أشد سوداويّةً"، لوصف حالة الجيش الإسرائيليّ على جميع الجبهات.
كما كُشف النقاب عن الحلول التي عرضها وناقشها جنرالات جيش الاحتلال الكبار آنذاك ومنها :"كسر سوريا، واحتلال دمشق وتدميرها عن بكرة أبيها ثمّ المطالبة بوقف إطلاق النار، ذبح المصريين، وفصل رؤوس العرب عن أجسادهم بدم بارد"، كما قال وزير الأمن حينذاك، موشيه ديّان، الذي "أصيب في الأيام الأولى من الحرب بكآبة شديدة وهلع كبير، وذلك لاعتقاده بأنّ العرب سيقومون بالقضاء على إسرائيل، وتحدّث عن الخراب الثالث للهيكل المزعوم".
ولم يغب عن السيناريوهات احتمال استخدام الأسلحة النووية.
نعم لهذه الدرجة كان مفعول حرب تشرين ، ولهذه الأسباب نشهد ما يجري في دولنا وأقطارنا العربية من تدمير وحروب وشرذمة وسيطرة على المقدرات النفطية والاقتصادية ، لأن كيان الاحتلال وداعميه يخشون من تكرار هزيمة جديدة تشبه ظروفها وأسبابها هزيمة 1973.
فتشرين الفلسطيني ليس بعيداً وفق قراءة محلّلين إسرائيليين ، حيث تسيء تل أبيب فهم وتقدير الوضع المتفجّر في الضفة والأراضي الفلسطينية ، وتصرّ على التعامل بفوقيّة وغرور وعلى أسس أمنيّة بحتة مع تلك الأوضاع ، بعيداً عن إيجاد حلول سياسية حقيقية وأفق سياسي للفلسطينيين.
ويُحذّر هؤلاء دوائر صنع القرار في تل أبيب من الوقوع في فخّ من يقول لهم صبحاً ومساءً إنّ إسرائيل هي الدولة الأقوى في الشرق الأوسط، وهم في نفس الوقت يخافون من أخطار حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والدولة الفلسطينية.
وفي يوبيل تشرين الذهبي المجيد، نُذكّر بما قاله صانع ومخطط هذا النصر القائد جمال عبد الناصر:"إن المقاومة وُجدت لتبقى وسوف تبقى"، و"ما أُخِذ بالقوة لا يُستردُّ بغير القوة ".

