مهدي عقيل- خاصّ الأفضل نيوز
ثمةَ تصنيف مُعتمد للجبهات لدى مراكز التقدير الإسرائيلية، وترتيبها وفقاً لخطورة كل منها، بحيث تأتي الجبهة الشمالية في رأس القائمة وتليها غزة، ومن ثم الضفة الغربية، فمنطقة عرب ال 48 داخل الخط الأخضر.
هذا الترتيب يأتي نتيجة تحليل وقراءة وضع كل جبهة على حده، بحيث تُدرس إمكانيات "العدو" ومدى قدراته والأسلحة التي بحوزته والتدريبات التي خضع لها ضباطه وعناصره والحيز الجغرافي الذي يشغله، ومراجعة حروبه معه. وعليه، يأتي دائماً ترتيب "حزب الله" سابقًا لحماس، وبطبيعة الحال، تخافه إسرائيل وتخشاه وتتجنب الحرب معه أكثر من خشيتها وخوفها من خوض الحرب مع "حماس".
لذلك تسنّى لهذا الحزب أن يفرض معادلات وقواعد اشتباك متقدمة على أقرانه. حيث باتت إسرائيل تضرب أخماسها بأسداسها عدة مرات قبل التفكير بالعدوان على لبنان. وليس الأمر نفسه ينطبق على غزة.
هذا الفهم الإسرائيلي واستسهاله لموضوع "حماس" أفاد الأخيرة كثيراً، وهو بطبيعة الحال أحد الأسباب الرئيسية التي وفّرت النجاح الباهر وغير المتوقع لهجوم يوم السبت.
في 27 كانون الثاني/يناير 2019، وفي مقابلة مع غسان بن جدو على محطة الميادين، قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، بأنه في الحرب المقبلة مع العدو سيدخل حزب الله الجليل، ومن حينها تتحسب إسرائيل لهذا السيناريو المرعب، وراحت تنفذ المناورات التي تحاكي هذا السيناريو، فتحسّبوا له في الشمال وأتاهم من الجنوب. وهنا وقعت أجهزة استخبارات العدو بفخ الاستخفاف ب"حماس"، ولم تتوقع يوماً بأن الأخيرة سوف تجتاح مستوطنات غلاف غزة وتقتل وتأسر المئات وتجرح الآلاف.
حصل ما لم يكن بالحسبان، وكما قال الكاتب بن كسبيت في "معاريف": "من كان يخشى الذهاب إلى المعركة البرية في غزة، فقد ذهبت غزة إليه بمعركة برية، أولئك الذين وصفوا أنفسهم بأنهم أقوياء ضد حماس، وجدوا أنفسهم أمس ضعفاء أمام حماس القوية، منيت إسرائيل يوم السبت، بمفاجأة استراتيجية بحجم حرب يوم الغفران، لكنها أكثر إذلالاً".
ويشرح ويفصل زميله ناحوم برنياع في "يديعوت" ذلك الإذلال والإهانة التي تعرضت لها إسرائيل، ويقول "في نظري، 7 أكتوبر 2023 كانت إهانة عظمى، إهانة لم يشهد الجيش الإسرائيلي مثيلاً لها في كل سنواته. وسأشرح: الإهانة الأولى كانت استخبارية. مرة أخرى، مثلما في 1973، رأت المنظومة كل المؤشرات الدالة لكنها استنتجت بغرورها بأن هذه مجرد مناورة، تدريبات عابثة. الثانية كانت السهولة التي تجاوز فيها "مخربو حماس" العائق. الثالثة كانت السهولة التي عادوا فيها إلى غزة، مع عشرات الرهائن. الرابعة هي البطء الذي رد به الجيش الإسرائيلي على التوغل. يتجول عشرات "المخربين" في معسكر مدرعات وكأنهم يتجولون في بيوتهم ولم توجد مروحية هجومية تطلق عليهم النار".
ونتيجة ضعف تقدير الكيان، وعدم معرفته كفاية ل"حماس"، ظنّ الإسرائيليون بأن "حماس" ممسوكة، وإنَّ مساومة الأخيرة بالاقتصاد عن طريق رفع المعونات الخليجية، وزيادة عدد التصاريح للغزاويين للعمل داخل الخط الأخضر، تجلب الاستقرار. ويقول المحلل السياسي تسفي برئيل في "هآرتس" بهذا الصدد: "أحد التقديرات، الذي وجد بصورة طبيعية التعزيز إزاء الهجوم متعدد الأهداف، أول من أمس، هو أن معادلة "الهدوء مقابل الأموال" لا تعمل، ولا يمكن أن تعمل. ولكن هذه الصيغة عملت بين حين وآخر وبين عملية وأخرى طالما لم تتطور ذريعة تفوق الاعتبارات الاقتصادية. هل هذه المعادلة استخدمتها "حماس" من البداية غطاء لخطتها لاجتياح إسرائيل؟".
الكيان في وضع لم يعشه منذ عام 1948، وقيادته في حيرة من أمرهم، لا يدرون ما ينتظرهم في المقبل من الأيام، وليس أمامهم حلاً لأحجية "حماس"، وكما يقول برنياع " تعبنا من المحاولات المتكررة لتلقين "حماس" الدرس من خلال القصف من الجو. إذا كان الحدث، أول من أمس، علمنا شيئا ما عن "حماس"، فقد علمنا بأن منظمة "الإرهاب" هذه غير قابلة للترويض". ويضيف الكاتب "كانت ثمة دهشة مما بدا سلسلة طويلة من القصورات. أعترف: شعرت فجأة بأني لا أعيش في إسرائيل، التي أفتخر بها، بل في الصومال".
فيما يرى أرئيل كهانا في "إسرائيل اليوم" أنه "يجب تحطيم عظام العدو، بمعنى إنزاله على ركبتيه كي يصرخ كفى، ضربه دون رحمة وسحقه بوحشية. بدون محكمة العدل العليا وبدون "بتسيلم"، بدون احتواء، وبدون قيد، بدون توازن وبدون رأفة. وإذا كان التخوف هو من "لاهاي"، فثمة ما يكفي من المتطوعين للمهمة ليبقوا في البلاد حتى نهاية أيامهم". ويختم الكاتب مقالته بسؤال وجواب؛ ماذا يعني هذا عمليًّا؟ يعني أن نعيد غزة إلى العصر الحجري. أن نجري اختطافات مضادة لكبار رجالات "حماس"، وأبناء عائلاتهم. أن ندمر بيوتهم الفاخرة. أبراجهم العالية، المطاعم، والمتنزهات في غزة. ألا نخاف من "لاهاي"؟"
في الختام، ما صنعته "حماس" يوم السبت الفائت، كشف وهم الجيش الذي "لا يقهر"، وقضى على ما تبقى من غرور لدى ضباطه وعناصره الذين ما زالوا يعيشون غبطة ونشوة الانتصارات في سنين مضى عليها الزمن. فالتحرير عام 2000 كان الخطوة الأولى في طريق تحطيم "عظمة" الجيش الإسرائيلي، وحرب تموز 2006 كانت الخطوة الثانية، فيما الخطوة الثالثة "الفالتة"، كانت من نصيب كتائب "القسام" التي سوّت العدو أرضاً.

