رأفت حرب – خاصّ "الأفضل نيوز"
يبرز الفرق الهائل بين تعامل واشنطن اليوم مع حليفتها تل أبيب، وما كان عليه الأمر في الزمن الغابر، عندما كان وزراء الخارجية الأميركية يتدافعون سريعًا جدًا إلى الشرق الأوسط عند أي هبّة تلفح وجوه الإسرائيليين، أو عندما يطلقون تصريحات بلهجة ناريّة لا يُسمع لها صوت اليوم.
انتهت أيام هنري كسنجر ووارن كريستوفر، وجاء زمن فيه إدارة ديمقراطية تنسحب من الشرق الأوسط، فضلًا عن البغض الذي يكنّه رئيسها جو بايدن لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتيناهو، كما هو معروف لدى الجميع.
صحيح أنّ وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن سيأتي إلى إسرائيل في الأيام المقبلة، لكنّها تبدو زيارة لرفع العتب أكثر منها زيارة يُنتظر منها القيام بضغط ملموس لصالح إسرائيل، كما كان يحصل عندما تشنّ إسرائيل عدوانها على لبنان مثلًا أو خلال حروبها مع الدول العربية.
وما كان ينقص لاستكمال هذا المشهد إلا إعلان واشنطن إنّ حاملة طائراتها لا تتوجه إلى الشرق الأوسط من أجل الصدام مع حركة "حماس"، بل من أجل دعم الاستقرار!
قد يظنّ البعض أنّ الإعلان عن مساعدات عسكرية ومالية أميركية لصالح إسرائيل يعني أنّ الحال على ما يُرام بين الطرفين، إلا أنّ العودة إلى الوراء قليلًا، تحديدًا إلى فترة باراك أوباما في البيت الأبيض، تذكّر بأنّ إسرائيل حصلت حينها على أكبر حجم من المساعدات العسكرية في تاريخها، في حين كانت العلاقات السياسية في أسوأ حالاتها، حيث وصل الأمر إلى شبه عراكٍ كلاميّ بين أوباما ونتنياهو، عندما صرخ الأوَل غاضبًا إنه ليس بحاجة لدرس في التاريخ من رئيس الوزراء الإسرائيلي.
كانت إيران خلفيّة لذلك الصدام آنذاك، ولا تبعد إيران كثيرًا عما يحصل اليوم في غزّة، حيث لا يرغب الأميركيون في الانخراط إلى حدّ بعيد في معركة فيها ما يكفي من الحضور الإيراني، بل والخطوط الحمراء الإيرانية.
السلوك السياسي الأميركي هذا ليس بالضرورة أن يعكسه السلوك الإعلامي، حيث يبقى لإسرائيل اللوبي القوي ذو العلاقات النافذة مع وسائل الإعلام.
انبرت صحيفة "وول ستريت جورنال" لنشر معلومات تفيد بأنّ عمليّة "طوفان الأقصى" تم التخطيط لها، وإعطاء الضوء الأخضر لتنفيذها، من قبل الحرس الثوري في بيروت، بحضور حزب الله وممثلين عن الفصائل الفلسطينية.
الصحيفة أضافت أيضاً معلومة تبعث على التشكيك أكثر من التصديق، تفيد بأنّ وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان حضر اجتماعين من اجتماعات التحضير لعملية "طوفان الأقصى".لا تسأل نفسك: ما الحاجة لوجود دبلوماسي في عمليّة عسكرية بحتة؟ لأنّ الصحيفة ليس لديها أية إجابة.
قد يكون الالتزام الأميركي بالحفاظ على وجود إسرائيل لا يزال مستمرًّا، لكنّ تراجع هذا الالتزام بات ملحوظًا جدّا، وهو ما قد يؤشر إلى انعدامه تمامًا عندما تُكمل واشنطن تركيز كلّ قواها على شرق آسيا، حيث ترى هناك الصين عدوّا أولًا لها.

