خليل حرب - خاصّ الأفضل نيوز
فتحت حركةُ حماس، من خلال جناحها العسكري "كتائب القسام" صفحة ناصعة وعريضة في تاريخ الصراع العربي مع إسرائيل، من خلال المواجهة الشرسة المتعددة الجوانب التي خطتها منذ أن عبر مقاتلوها جدران الطوق الإسمنتي الذي يحاصر قطاع غزة في 7 تشرين الأول 2023.
ولطالما قدمت حماس، وغيرها من قوى المقاومة الفلسطينية، ممَّن سبقوها أو واكبوا حضورها، التضحيات والشهداء، لكن العملية الفدائية الأخيرة المتمثلة بـ"طوفان الأقصى"، شكلت منعطفا في الأداء المقاوم، بما أظهرته من استعداد وتدريب وتراكم خبرات واستغلال القدرات التكنولوجية، إلى جانب الإيثار والفداء، وسلطت بالتالي الأضواء على حقيقة من قاموا بذلك، والإرث الذي استندوا عليه.
صحيح أنَّ الشيخ أحمد ياسين الذي اغتالته إسرائيل العام 2004، هو المؤسس الفعلي لحركة حماس في العام 1987، وأنها خرجت من رحم "المركز الإسلامي" الذي ظل لسنوات عديدة منذ تأسيسه العام 1973، يقتصر بنشاطه على الأدوار الاجتماعية والدينية، إلا أن إرث رجل سوري، من مدينة جبلة، على ساحل اللاذقية، ترك بصمات هائلة يبدو أنها هي التي ألهمت العقيدة الجهادية الفعلية، لـ"كتائب القسام" التي حملت اسمه برغم أن الرجل استشهد قبل نحو 90 سنة.
إنه عز الدين القسام، الذي لم يكن "إخوانيًّا" ولا "حمساويًّا" بطبيعة الحال، لكنه كان من أبناء بلاد الشام والذي هاله بطبيعة الحال أن يرى بلاده، أي سوريا الكبرى، تتساقط تارة أمام الفرنسيين وتارة أمام البريطانيين، ويتطلع إلى البعيد، نحو بلاد المغرب العربي، فيجاهر بالدعوة إلى الجهاد ضدَّ الاستعمار الإيطالي الذي بدأ حصاره لليبيا تمهيدًا لاحتلالها.
اكتسب عز الدين القسام الورع والتقوى والتربية الدينية من عائلته في جبلة والتي عرفت بنشاطها الدعوي، واستكمل علومه الدينية في الأزهر الشريف في القاهرة.
ولم يكن عز الدين القسام، محبًّا للقتال، لكنه وجد أمته من حوله تتداعى جهلًا وأمية وانهيارًا في اسطنبول التي أصبحت "مريضة"، وفرنسا وبريطانيا تتقاسم أراضي الإمبراطورية، فيجد نفسه في الساحل السوري أمام غزو فرنسي يتقدم، فيحاول التصدي له، ثم يضطر للجوء إلى دمشق التي كانت تحت الحكم الفيصلي، قبل سقوطها بقبضة الفرنسيين الذين كانوا وضعوا مكافأة لاعتقاله، وقتلوا كثيرين انتقامًا من عمليات المقاومة التي كان يقودها.
ودفع الاحتلال الفرنسيُّ القسام للجوء إلى فلسطين بعدما كان أمضى بعض الوقت في صيدا وبيروت، قبل وصوله إلى عكا، بالإضافة إلى حيفا التي بدأ يشكل فيها ما عرف بـ"العصبة القسامية" بعدما أمضى سنوات يحاول التركيز على العمل الدعوي الديني، لكن مرامي الاحتلال البريطاني لفلسطين، كانت تنجلي أكثر فأكثر أمامه، وتحديدًا التمهيد لقيام دولة لليهود التزامًا بـ"وعد بلفور" والذين كانوا يتدفقون كمهاجرين ويشكلون عصاباتهم المسلحة.
كان القسام مقاتلا من على منابر المساجد، مثلما كان يحيك في الليل، خطط التسليح والتدريب والتصدي، فينادي من أجل صحوة الناس على الخطر المحدق بهم، ويندد بالإسراف المخصص لتزيين المساجد وليس من أجل شراء السلاح للمقاومين، وينظم في الوقت نفسه تدريب وإيواء وتسليح الرجال المدركين للخطر الصهيوني على بلادهم، وقد كانوا قلة.
في العام 1935، حوصر عز الدين القسام في جنين (التي للمفارقة لا تزال تقاتل إلى يومنا هذا)، وهناك استشهد. قتله البريطانيون. وفجر موته الثورة الفلسطينية الكبرى في العام التالي، وواصل رجاله من بعده مسيرته، بمن فيهم الشيخ فرحان السعدي الذي قاد الثورة الكبرى، ضد حكم الانتداب والصهيونية، واعتقله البريطانيون أثناء احتمائه بالجبال، وأعدموه في العام 1937 خلال صيامه في شهر رمضان.
ما من شك أن أرواح القسام والسعدي وغيرهما من المجاهدين الأوائل، ألهمت "القساميين" الجدد. أن مثل هؤلاء، أنجب حنكة يحيى عياش (استشهد العام 1995)، والعقل الاستراتيجي لمحمد الضيف الذي هندس "طوفان الاقصى".

