خليل حرب - خاص الأفضل نيوز
لم نكن بحاجة إلى مجزرةٍ جديدةٍ لنعرفَ قاتلنا..نراه منذ الثلاثينات. قتل جدّنا الأول، وأخوته. شتّت الأحبّة الذين فرّقتهم الحدود ما بين النبطية وعكا. خطف أعمامنا وخالاتنا، وأعدمهم.
جرّب أن يمحوَ نسلنا. دخل بيوت الناس وأخذ مفاتيحها ليزعم أنّ جدّه، فيما بعد العصر الحجري، كان هنا منذ 2000 سنة. قال لأطفالنا، لبناتنا لزوجاتنا: اخرجوا يا حيوانات، تمامًا كما يفعل الآن. ثمّ لاحقهم يتصيّدهم كأهداف في ميدان قنص، وأرداهم في حفر جماعيّة.
لقد شاهدت جنودا قدامى يتباهون كيف اغتصبوا، وعذّبوا، ونكّلوا، وأعدموا النّازحين والأسرى، ممّن حمل سلاحًا، أو حتّى جرّب النّجاة بعائلته.
إنّ القاتل يعرف نفسه، ودائمًا ما يعود إلى مسارح جرائمه. ما زلت أذكر الإسرائيلي الذي جرّب مصافحتي في سلوفينا قبل أكثر من 15 سنة، ويده ترتجف. يداه كانتا ملطّختين بالدّم. شاهدتهما، مثلما شاهدتهما وهما تُطلقان النّار على شبّان عزّل في مروحين لأنّهم جرّبوا خرق الجدار .. فقط لكي يعودوا، كما وعدهم العالم.
لن أقول لك الله يا غزة،،،
فلقد تعبنا من انتظار السماء لكي تنصفنا. تعبت من الانتظارات كلها، بعدما قبعت في خيمتي، ومنفاي، 75 عامًا. مارست كلّ المعتقدات والمذاهب والأديان والإيدولوجيات، لعلّ العالم يعترف بي أوّلًا.. وليعترف بحقّ عودتي، لكنهم كانوا في كلّ مرّة يأخذون من أهلي شهيدًا، وطفلين، ثمّ يقتلعون خيمتي.
قمّة تلو قمّة، يمنحون قاتلي تنازلًا مجانيًّا على حساب دمي. على حساب جدّي الأوّل في قبره في ما كانت أرضه، حيث تنتصب فوقها الآن ناطحة سحاب متلألئة، يقطنها غرباء جاءوا من أقاصي الأرض، وقتها، جاءوا يلتمسون نجاة من وحش، فآويناهم، وأحسنا الظّنّ بهم، لكنّهم في صباح اليوم، أخرجونا من زيتوننا.
لن أقول لك الله يا غزة،،،
ليتك كنت "الغوطة" فيبحثون عن جريمة ولو مفبركة فيك، ويقرعون من أجلك طبول الحرب ويحتشدون لانتشالك. ليت فيك "المحيسني" و"العرعور" و"الجولاني" ومعاتيه الدين، والذباحين باسمه، و"جهاديي النّكاح"، من المتأسلمين التكفيريين، المتأسرلين، المتأمركين والمتتركين، فيهبّون لنجدتك، والتباكي من أجلك وتسليحك، لكنّهم الآن يلوذون بصمت المُرابين على دمك.
ليتك أمّة ضائعة مثلنا يا غزة، لا تميّز عدوها - وهو ساطع كالشمس- لما كانوا جمعوا أساطيلهم لسلخ جلد أطفالك. ليتك يا غزة رمادية، مثل عواصم الضلال العربي، والنفاق العربي، لكانت "استثماراتهم" تسابقت إليك، ولما كانوا جرّبوا أن يقتلوا فيك أجمل ما فينا.
ليت فيك يا غزة، "ثورة ملوّنة" تبتغي تزوير هويّة بلادنا، فينفقون من أجلك المليارات، ليقولوا أنّهم ينثرون الحرّيات فيك، ومن أجلك... لكي يجمعوا منك السبايا والغلمان على موائد قمارهم. ولكانوا اشتروا من أجل ذلك نوّابًا ملوّنين ولو كانوا طارئين على شاكلة يهوذا الأسخريوطي، وليقنعوك بأن جدّك لم يقتل فعلًا، ولم يدفن بعد مذبحة، وإنّما أكله الذّئب.
وها هم، وقد طوّقوك وحاصروك، يغتسلون الآن بدمك، ويردّدون جميعًا أنّك "أنت الذّئب.. أنت الذّئب"!

