هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
تُمضي واشنطن بسياسة "شدّ أحزمتها العسكرية" في منطقة الشرق الأوسط أكثر فأكثر، خصوصًا أن الهدف من التعزيزات العسكرية الجديدة، حسب ما جاء على لسان وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، هو الاستعداد للتّصدي لأي تصعيدٍ إيراني مرتقب في المنطقة.
إذ يبدو أن هناك ما هو أبعد من مجرّد الاستنفار الأميركي والقصة قد تحمل أبعادًا أخطر، بدءًا من غزة، ووصولاً إلى العراق وربما أوسع نطاقًا، حيث يأتي القرار الذي اتخذه مؤخرًا "البنتاغون" ردًّا على الهجمات المتكررة التي نفّذتها، وفق واشنطن، أذرع عسكرية تابعة لإيران وعلى رأسها كتائب حزب الله العراقي، مستهدفةً بذلك القواعد الأميركية في المنطقة وقواعد التحالف الدولي في كل من العراق وسوريا في خلال الأيام القليلة الماضية.
وبناءً على ما تقدم، ينطوي التكتيك والرد الإيرانيَان على تحذيرات من مغبة توسيع رقعة الحرب في المنطقة، وقد عكفت واشنطن على اتهام طهران بالوقوف خلف الهجمات المتتالية في غير مكان من المنطقة العربية، حيث سارعت إلى التحرك علانيةً لمواجهتها عبر رسم خطة ستتضمن نشر بطاريات الدفاع الجوي للارتفاعات العالية "ثاد"، بالإضافة إلى تفعيل ونشر مجموعة من منظومة بطاريات "باتريوت" في أنحاء المنطقة، ثم إعادة توجيه حركة المجموعة الهجومية لحاملة الطائرات "يو.إس.إس أيزنهاور" إلى المنطقة الواقعة ضمن مسؤولية القيادة الوسطى لتنضم بذلك إلى مجموعة حاملة الطائرات "جيرالد فورد".
في هذا السياق، تكثر التساؤلات حول التحشيد الأميركي الأوسع والأكبر من نوعه لتعزيز القدرة على الاستجابة لحالات الطوارئ، فضلاً عن رفع مستوى الردع لحماية القوات الأميركية في المنطقة والمساعدة في الدفاع عن إسرائيل، الأمر الذي يُترجَم عمليًا بإعادة خلط الأوراق في المنطقة، في وقت تتسابق كبرى مراكز التحليلات لنشر مآلات التصعيد في المنطقة وسط مخاوف من انتشار عناوين تجربة غزّة إلى ما هو أبعد من حدودها، والحديث هنا يقودنا إلى العوامل التي ترتبط باندلاع حرب إقليمية والتي سنعرضها في عجالة:
- داخليًا، والمرتبط بالكيان الصهيوني في ظل حال عدم الرضى على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فضلاً عن الانقسام داخل الائتلاف الحكومي والذي ينسحب على الجيش وكذلك أيضًا على المحاربين القدامى، الأمر الذي من شأنه أن يقود إلى فوضى تحول دون اتخاد وتبني قرار واستراتيجية سليمَيْن؛ ما سيدفع الولايات المتحدة للتدخل وفق استراتيجية معينة معاكسة لسياسة "الأرض المحروقة" والتي ستتطلب وقتًا طويلاً لإرسائها.
- إقليميًّا، يبقى الأمر مرهونًا بمدى قدرة قوات العدو على الدخول البري إلى غزة وما يترتّب عليه من احتلال وتدمير وتهجير لسكانها، الأمر الذي سيحرّك إيران للحؤول دون خسارة حليفتها "حماس" وكذلك حزب الله الذي سيعمل على زيادة تسخين الجبهة الجنوبية اللبنانية أو الشمالية للكيان المحتل لإرباكه وشغله أكثر من أجل كسب الوقت بانتظار نضوج الحلول الديبلوماسية، لكن دخول الولايات المتحدة كما أعلنت لقصف لبنان يبقى مستبعدًا، رغم تصريحاتها المتكررة، بل ستعمل على مدّ العدو بمزيد من الوسائل الدفاعية والهجومية.
- دوليًّا، الدعم المطلق والمبني على ازدواجية المعايير التي يمارسها المجتمع الدولي عبر دعمه المطلق للعدو الصهيوني قد يدفع باتجاه تهوّر إسرائيلي داخل غزة ويقود إلى حرب إقليمية قد لا تُحمد عقباها.
في المحصلة، لا شك أن حال التخبّط الذي تعيشه الإدارة الأميركية الحالية برئاسة جوزف بايدن، بدءًا بالانسحاب العشوائي من أفغانستان، مرورًا بخفض عديد قواتها في الخليج العربي والشرق الأوسط، ووصولاً إلى انخراطها بالحرب الروسية-الأوكرانية والمشاحنات مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادىء، ومن ثم محاولة العودة إلى الشرق الأوسط لقطع الطريق على التوغل الصيني، فضلاً عن الردع الروسي، المتمثل بتواجد البوارج الروسية ودعم الكرملين المعلن لكل من لبنان وسوريا و"حماس" سيبعثر حسابات الأميركيين ويدفعهم نحو خيار ديبلوماسية إدارة التنافس بين المعسكرين الغربي والشرقي في المنطقة.، وبالتالي تبقى تطورات الميدان في فلسطين هي الفيصل وتبقى معها المنطقة بأسرِها على مفترق طرق بانتظار ما تحمله الأيام المقبلة من مفاجآت وآفاق للحلول السياسية.

