عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
تشكّلُ المعركة الحاليّة مع العدوّ الإسرائيليّ، التّحدّي الأدقّ الّذي يواجه المنطقة برمّتها، وليس فقط قطاع غزة أو لبنان.
ذلكَ أنّه إذا تدحرجت حجارة دومينو المواجهة العسكريّة، فإنّ نيرانها ستمتدُّ إلى جزءٍ واسعٍ من الإقليم المحشوّ أساسًا بالموادّ المتفجّرة، والمقيم بطبيعته فوق فوّهة بركان محموم، من شأن انفجاره إذا حصل أن يُعيد رسم معالم الشّرق الأوسط وتوازناته.
وإزاءَ هذا التّحدّي الّذي يكاد يتّخذ طابعًا وجوديًّا بالنّسبة إلى خطّ المقاومة، فإنّ باقي الملفّات تراجعت تلقائيًّا إلى الصّفوف الخلفيّة، أيًّا تكن أهمّيتها، لصالح أولويّة السّعي إلى ضمان المصير والنّصر، لأنّ من دون ذلك لا يبقى معنى أو قيمة لأيّ شيء آخر.
وعلى رغم الكلفة العالية الّتي ترتّبها المواجهة في غزّة وعلى الحدود الجنوبيّة مع فلسطين المحتلّة، سواء من الناحية البشريّة أو المادّيّة، إلّا أنّ هناك ظاهرة إيجابيّة تلوّح وسط ما يجري ولا بدَّ من التّوقّف عندها والإضاءة عليها وتتمثّل في ذبول أوراق الخطاب المذهبيّ المقيت وتراجع حدّة الاصطفاف السّنّيِّ - الشّيعيّ الّذي كان يستثمر فيه البعض لزرع الفتنة.
ومن مظاهر تجاوز هذا الاصطفاف، خروج مظاهرات شعبيّة في عدد من المدن العربيّة والإسلامية تُناشد الأمين العامّ لحزب الله السّيد حسن نصرالله التّدخّل الكامل في المعركة وإطلاق صواريخ المقاومة على عمق الكيان الإسرائيلي، ما يُؤشّر إلى أنّ "فطرة" الأمّة لا تزال سليمة وأن "الفطريّات" الّتي طافت على سطحها خلال السّنوات الماضية لم تتمكّن من تشويه الحقائق وإن طمستها إلى حين، وذلك على رغم جميع محاولات شيطنة المقاومة ورموزها.
علامةٌ إضافيّةٌ من علامات القفز فوق الحواجز المُصطنعة والانقسامات المذهبيّة، عكسها انضمام الجماعة الإسلاميّة عبر جناحها العسكريّ (قوّات الفجر) إلى المعركة ومشاركتها في قصف مواقع الاحتلال عند الحدود بالصّواريخ، ما ينطوي على تطوّرٍ لافتٍ وغنيٍّ بالدّلالات.
ولعلّ أهمّ ما في هذه المشاركة، بمعزل عن حجمها وفعاليتها، هو أنّها أعطت المواجهة في الجنوب بُعدًا إسلاميًّا ووطنيًّا عامًّا، وأظهرت أنّ الأبواب مفتوحة أمام من يريد الانخراط في المعركة ضدّ العدو الإسرائيليّ، بعيدًا من "الظّنون" بأنّ هناك من يحتكر ساحة القتال وشرفه.
والأكيد أنّ عمليّات "الجماعة" لا يمكن أن تتم من دون تنسيق ميدانيّ وسياسيّ مع حزب الله، فيما أكّد نائب المكتب السّياسيّ ل "الجماعة" الدكتور بسام حمّود في تصاريح له بأنّ "الجماعة" هي الآن في خندقٍ واحدٍ مع الحزب ضدّ العدوّ الإسرائيليّ بمعزلٍ عن التّباينات بينهما حول عدد من المسائل.
وهكذا يكون الاحتلال قد أسدى خدمةً غير مقصودة للسّاحة الإسلاميّة بعدما حفّزها عدوانه على التّضامن والتّعاضد، ليثبت من جديد أنّ بمقدور فلسطين أن توحّد ما تفرّقه الخلافات الثّانويّة، وأنّ قضيّتها المحقّة تبقى البوصلة الّتي تحمي من الشّرود نحو اتّجاهات جانبيّة وزواريب فرعيّة لا تؤدّي، كما تدلّ التّجارب، سوى إلى تشتيت القوى وصرف الانتباه عن القضيّة الأساسيّة.

