كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
فرضَ الشّغورُ العسكريُّ نفسَه كأولويّةٍ تسبقُ حصول انتخابات رئاسة الجمهوريّة الّتي تنتظر الحوار حولها ثمّ الدّعوة لحصولها وهذا كان عنوان مبادرة الرّئيس نبيه برّي في شهر أيلول الماضي، الّتي علّق العمل بها، بعد أن رفع الغطاء المسيحيّ عنها، لاسيّما من البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، الّذي بات أقرب إلى تفكير ما يسمّى ب "معارضة" الّتي تدعو إلى انتخابات رئاسيّة تسبق الحوار ، الّذي ترفضه حول الاستحقاق الرّئاسيّ.
من هُنا، فإنّ المؤسّسة العسكريّة، أمام فراغ في قيادة الجيش، عندما يُحال قائد الجيش العماد جوزيف عون إلى التّقاعد في ١٠ كانون الثّاني الماضي، فلا ينوب عنه رئيس الأركان، كما ينصّ قانون الدّفاع، لأنّ منصبه شاغر، منذ أشهر، وسعى رئيس الحزب التّقدمي الاشتراكي السّابق وليد جنبلاط، أن يعيّن مكانه، لكن حصل اعتراض من قبل رئيس التّيار الوطنيّ الحرّ جبران باسيل، بأنّ لا تعيينات في ظلّ شغور منصب رئيس الجمهوريّة، فلم يعيّن بديل عنه، ممّا أوجد إرباكًا، لمن تكون القيادة والأمرة في الجيش، طالما أنّ منصب قائده سيشغر، ومنصب رئيس أركانه قد شغر، مع تقاعد ثلاثة ضبّاط من المجلس العسكريّ ولم يعيّن بدلاء عنهم، لأنّ التّعيين في هذه المراكز يعود لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير الدّفاع، الّذي ومنذ الشّغور الرّئاسيّ، ومقاطعة "التّيار الوطنيّ الحرّ" لجلسات الحكومة، فإنّ وزير الدّفاع موريس سليم قرّر اعتماد صيغة الضّابط الأعلى رتبة في تولّي المنصب الشّاغر، وهو ما لم يوافق عليه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الّذي أعاد طرح تعيين قائد للجيشِ أو أقلّه رئيس أركانٍ واستكمال التّعيينات في المجلس العسكريّ، فوافق جنبلاط الّذي كان سبق لكتلته النّيابيّة "اللّقاء الديمقراطي"، أن تقدّمت باقتراح قانون لتمديد سنّ التّقاعد لكبار الضّباط إلى عمر ٦٤ سنة، فيستفيد منها كلّ من رئيس الأركان اللّواء عباس ابراهيم، ولاحقًا قائد الجيش العماد جوزف عون، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللّواء عماد عثمان، لكن هذا الاقتراح لم يستكمل طريقه إلى مجلس النّواب، الّذي ترفض كتل نيابيّة، لا سيّما المسيحيّة منها، أن ينعقد للتّشريع، وهو تحوّل إلى هيئةٍ ناخبةٍ.
وأمامَ انسدادِ الحلول السّياسيّة والدّستوريّة، والقلق من الشّغور العسكريّ والأمنيّ، والّذي وُجد له حلّ في الأمن العام، بأن يتولّى المديرية العامة وينوب مكان المدير العام الأصيل نائبه اللّواء الياس البيسري بعد أن تعطّل التّمديد للّواء ابراهيم، من الرّئيس برّي، وموافقة "حزب الله"، وهذا ما انطبق على حاكميّة مصرف لبنان، حيث حلّ النائب الأوّل للحاكم وسيم منصوري مكان الحاكم رياض سلامة، بغير رضى "الثّنائي الشّيعي" اللّذين سلّما بالأمر.
أمّا في قيادة الجيش، فإنّ شغور منصب رئيس الأركان، هو ما يشجّع على إيجاد حلٍّ لاستحقاقٍ قادمٍ بعد أكثر من شهرين، وأن تتوافق القوى السّياسيّة، حول ملء الشّغور في المؤسّسة العسكريّة، لا سيما مع التّطوّرات العسكريّة التي حصلت في غزة، وبدء ظهور تداعياتها على لبنان، انطلاقاً من تسخين الجبهة الجنوبيّة، الّتي تشهد منذ ٧ تشرين الأوّل الماضي، وهو التّاريخ الّذي حصلت فيه عمليّة "طوفان الأقصى" الّتي قامت بها "كتائب القسّام " التّابعة "لحركة حماس" حيث يشارك "حزب الله" موضعيًّا في عمليّات عسكريّة، ما زالت محصورة في حدود جغرافيّة لم تتجاوز الخطّ الأزرق حيث احتمال توسّعها قائم، وأن يغيب عن أيّ تطوّر عسكريّ ضدّ العدوّ الإسرائيليّ، إضافة إلى دوره الدّاخليّ في حفظ الأمن والاستقرار، ومنع انزلاق لبنان نحو فوضى، أكانت أمنيّة او اجتماعيّة او طائفيّة وسياسيّة.
من هُنا يضغط موضوع تعيين قائد الجيش على كلّ الأطراف، لا سيما الحكومة، الّتي دعا رئيسها ميقاتي إلى جلسة تشاور لأعضائها بشأن المؤسّسة العسكريّة، لكن وزير الدفاع قاطعها، بعد أن وصلته رسالة من ميقاتي تدعوه ليقترح مع قائد الجيش أسماء لقيادة الجيش ورئاسة الأركان، لكن سليم لم يتجاوب، ووقع إشكالٌ دستوريٌّ بينه وبين ميقاتي فاضطر إلى مقاطعة الجلسة، حيث حاول ميقاتي الاستفادة من زيارة باسيل له في السّراي تحت عنوان تحصين السّاحة الداخلية، بالدّعوة إلى التّشاور، والعبور منه بمعالجة وضع المؤسّسة العسكريّة، وتوقيع مراسيم تعيين الشّواغر فيها من كلّ الوزراء ال ٢٤، وبأن يكون التّمديد لقائد الجيش في أولويّات الحكومة.
لكنّ طبخةَ التّعيينات العسكريّة والتّمديد لقائد الجيش لم تنضج بعد، ووضعت على النّار، كما قال ميقاتي، لكنّها على نار هادئة، حيث تشاور مع الرئيس نبيه بري منذ يومين في الموضوع، الّذي يعتبره ملحًّا، والمنطقة في زمن حرب مصيريّة وطاحنة، وهي مختلفة عن حروب سابقة، ومطروح فيها مسألة الوجود الفلسطيني كما الإسرائيلي، ولا يمكن للبنان، أن يكون جيشه دون قيادة، في زمن حرب فتحت ولا يعرف متى تنتهي .

