هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
بدأت تتداعى الرواية الإسرائيلية_الغربية حول ما يجري وما جرى منذ السابع من تشرين الأول في قطاع غزة ومحيطه، حيث لعب "الإعلام الجديد" من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من مجموعات الناشطين والشخصيات المؤثرة دورًا بارزًا في ذلك.
إذ بعد أن تصدرت وسائل الإعلام العناوين التي تحدثت عن ارتكاب المقاومين والمقاتلين الفلسطينيين المجازر بحق المدنيين الإسرائيليين إثر اقتحامهم مستوطنات غلاف غزة مع انطلاق فجر عمليات #طوفان_الاقصى، وبعد أن تبنّت وسائل الإعلام العالمية، فضلاً عن وكالات الأنباء الشهيرة ولفيفها من قادة وسياسيين وصحافيين أميركيين وأوروبيين، الادعاءات والمزاعم الصهيونية عن ذبح الأطفال واغتصاب النساء وقطع الرؤوس وتكرّر ذلك في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من منبر لتترسخ قناعات مجافية للحقيقة في عقول الجماهير الغربية على الأقل، بالإضافة إلى الترهيب الذي مارسته الحكومات وقوى الضغط النافذة في تلك الدول إزاء كل من يتجرأ على التصدي لهذه الرواية أو التشكيك بها أو نقدها، وتوعّدهم بسوقهم إلى المحاكمة وتغريمهم لا بل بلغ السيل الزّبى لدى بعضها، إثر قيام إحدى وسائل الإعلام المرموقة بطرد أحد أشهر رسّامي الكاريكاتور بعد تجرُّئه على رسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كمجرم حرب.
لكن على الرغم من كل هذه الممارسات الميليشياوية لحكومات تلك الدول التي تتباهى وتتغنّى بالديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي واحترام المعتقدات... فقد فشلت في تكريس "مظلومية" إسرائيل، حتى أن بعض الصحافيين والناشطين الإسرائيليين وأعضاء في الكنيست قد اخترقوا جدار الصمت المطبق، الذي بناه النظام الإسرائيلي الخاضع لليمين المتطرف، لقول الحقيقة كما هي وتحميل حكومة نتنياهو مسؤولية ما جرى ويجري...
ويبقى هذا غيضًا من فيض التصريحات التي بدأ يطلقها مسؤولون ووزراء وبرلمانيون في كثير من دول الغرب لتفنيد وتكذيب السردية الصهيونية التي تبنّتها وسائل الإعلام نفسها والتي فتحت منابرها أمام السياسيّين والناشطين والممثلين العرب في أوروبا والولايات المتحدة ليدلوا بدلوهم بكل شجاعة وبسالة لا تقلان شأنًا عما يقدمه المقاومون الفلسطينيون وغيرهم من المخلصين والمدافعين عن القضية الفلسطينية، حيث نزعوا بذكاء وحنكة الغطاء الذي تتلطّى خلفه الصهيونية العالمية، وقدموا سردًا جديدًا يحاكي الحقيقة موثقًا بشرائط الأحداث التي تمتد إلى أكثر من 75 عامًا من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وممارسته لأفظع الجرائم والمجازر الجماعية وجرائم الحرب دون تمييز بين المدنيين الفلسطينيين والمقاومين منهم.
غوتيريش لحظة الحقيقة
ولعلّ العبارة الشهيرة: " هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر لم يأتِ من فراغ"، والتي وردت على لسان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي، كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير، وخّلفت أزمة ديبلوماسية بين غوتيريش وإسرائيل، حيث طالبه وزير خارجيتها إيلي كوهين بالاستقالة.
ومن باب الاستطراد، يذكر أن الجدل حول الأمناء العامين للأمم المتحدة ليس جديدًا، وقد كان من أبرز الذين تناولهم هذا الجدل كوفي عنان وبطرس غالي، حيث سبق لعنان أن تولّى منصب الأمين العام للأمم المتحدة بين عامي 1997 و2006 وقد تحدّى إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الإبن، واصفًا الغزو الأميركي للعراق بـ"غير القانوني" وبأن الفترة التي شهدت عملية الغزو كانت محبطة... وقبل عنان كان غالي الذي تولّى المنصب نفسه بين عامَي 1992 و1996، معاصرًا بذلك العديد من الأزمات الدولية على غرار حربَي الصومال وأنغولا، فضلاً عن الإبادة الرواندية، ومع تولّي الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لمنصبه في البيت الأبيض ساءت علاقة غالي مع الولايات المتحدة، خصوصًا مع ممثلة واشنطن في الأمم المتحدة آنذاك مادلين أولبرايت.
وفي ظل عدم الارتياح الأميركي لمواقف غالي، استخدمت أولبرايت حقّ النقض "الفيتو" عام 1996 لعدم منح غالي فترة ولاية ثانية، على الرغم من أن مجلس الأمن صوّت بأغلبية ساحقة لتجديد ولايته... وقد استُخدِم "الفيتو" تاريخيًا مرتين لازاحة كل من غالي وكورت فالدهايم من الأمانة العامة للأمم المتحدة، ما يقودنا إلى طرح سؤال حول مستقبل غوتيريش.
وبالعودة إلى السياق المطروح، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدًا منصّتَا "تيليغرام" الروسية و"تيك توك" الصينية دوراً بارزاً في نقل الحقائق ، وقد فسحتا في المجال أمام كثيرين سعوا للبحث عن الحقيقة التي نقلها ناشطون مؤثرون بموضوعية وصدقية.
ومما لا شك فيه أن سردية إسرائيل وداعميها في الغرب قد تضعضعت بعدما أريد لها أن تهيمن على الرأي العام، لكن الأخطر بالنسبة لحكومة نتنياهو ، بعد تزعزع الثقة بروايتها الكاذبة، قد تمثل بنشوب خلافات وانقسامات داخل إدارة الرئيس الأميركي جوزف بايدن لا سيما حول استمرارية الدعم المالي والعسكري والسياسي غير المحدود الذي تعهدت به لإسرائيل.
ورقة " الضحية" ... تتآكل
ذلك أن تمرّدًا بدأ يختمر داخل الخارجية الأمريكية على مستويات عدة، إذ يشهد المستوى السياسي سجالاً حادًّا أدى إلى تقديم عدد من الشخصيات من الدرجتَيْن الثانية والثالثة في هرم المسؤولية استقالاتهم من الخارجية الأمريكية، فضلاً عن توجيه خمسين عضوًا من الحزب الديموقراطي في مجلس النواب الأميركي رسالة شديدة اللهجة، على غرار ما حدث في أحداث غزة من العام2021، تفيد أن هناك موقفًا يتبناه اليسار الأميركي، سواء المسيحي منه أو حتى اليهودي، يعبّر عن صحوة تدعو إلى عدم مجاراة إسرائيل سواء كان ظالمة أو مظلومة، ما يشي ببداية تآكل تدريجي لـ"ورقة الضحية" التي تلوّح بها إسرائيل عند كل حرب، الأمر الذي يبرز خشية لدى اليسار الديمقراطي من إلحاق الضرر بصورة وسمعة الولايات المتحدة في الدعم المطلق لإسرائيل.
يضاف إلى ذلك من جهة أممية، أنه بات هناك قناعة لدى جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين بأن رواية إسرائيل كانت كاذبةً ومضلّلة، لكن بقية الدول غير دائمة العضوية تجمع على أنه لا ينبغي أن تفقد الأمم المتحدة صدقيّتها في حال استمرار السكوت عن الكوارث الإنسانية التي يلحقها الإسرائيليون بالشعب الفلسطيني في غزة.
في المحصلة، تكابد الإدارة الأميركية العناء وتمضي كل الوقت في إدارة الخطايا التي وقعت بها على المسرح الأممي، ويبدو أن جرائم الحرب التي لا زالت ترتكبها إسرائيل والتي تجلّت بأبشع صورها في 17 تشرين الأول لحظة استهداف المستشفى المعمداني في غزة، ما أدى إلى استشهاد 500 مدني فلسطيني، فضلاً عن استهداف الإعلاميين وعائلاتهم، ستضع الولايات المتحدة في عزلة دولية يترتب عليها انتكاسة في رأسمالها السياسي وسمعتها أمام العالم كله.

