كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
مضى عامٌ على الشّغور الرّئاسيّ، ولم ينتخب رئيس جمهوريّة، بعد ١٢ جلسة لمجلس النّواب، الّذي علّق رئيسُه نبيه برّي الدّعوة لعقد جلسة انتخاب، وأرفقها بعقد مؤتمر أو اجتماع للحوار أوّلًا ثمّ الانتخاب، الّذي يمهّد له الحوار للتّوافق، بعد أن ثبت أنّ أيًّا من أطراف الصّراع الدّاخلي قادر على تأمين الأكثريّة الدستوريّة وهي ٨٦ صوتًا، التي تؤمّن النّصاب القانونيّ أيضًا لجلسة الانتخاب.
وكانت آخرُ جلسة عُقدت في ١٤ حزيران الماضي، وتنافس فيها كلّ من رئيس "تيّار المردة" سليمان فرنجية وهو مرشّح الثّنائي "أمل" و"حزب الله" وحلفائهما وحصل على ٥١ صوتًا، في وجه مرشّح تقاطع المعارضة و"التّيار الوطني الحرّ" الوزير السّابق جهاد أزعور الّذي حصل على ٥٩ صوتًا، بعد أن حصلت جلسات سابقة عددها ١١، كان يصل عدد الأصوات لمرشّح المعارضة النائب ميشال معوض ما بين ٣٩ و ٤٦ نائبًا، إلّا أنّه سحب ترشيحه، ولم تعد قوى ١٤ آذار سابقًا متحمّسة له، في وقت كان تحالف "أمل" و "حزب الله" يضع ورقةً بيضاء مع حلفاء لهم، في الدّورة الأولى، ثمّ ينسحب في الدّورة الثّانية ويعطّل النّصاب.
وهكذا استمرّ مجلس النّواب، خلال عام، يُواجه هذه الأدوار، إلى أن تعطّل عمله الانتخابي قبل نحو خمسة أشهر، ولم يقم بدوره وصلاحيّاته التّشريعيّة، إذ كان نواب المعارضة، وتحديدًا "كتل نيابيّة مسيحيّة"، "كالقوّات اللبنانيّة" وحزب الكتائب وأحيانًا "تكتّل لبنان القويّ" الّذي يرأسه جبران باسيل من حضور جلسات تشريعيّة، بحيث بات مجلس النّواب مشلولًا، في ظلّ حكومة تصريف أعمال برئاسة نجيب ميقاتي ومبتورة حضور كامل الوزراء لا سيّما التّابعين "للتّيار الوطنيّ الحرّ"، الّذي رفض أن تمارس الحكومة صلاحيّات رئيس الجمهوريّة.
فخلال عام الشّغور الرّئاسي، لم يتمكّن لبنان من صناعة رئيسه، وهو لم يحصل منذ أوّل انتخابات رئاسيّة منذ العام ١٩٤٣، فكان التّدخّل الخارجيّ دائمًا لتسمية رئيس الجمهوريّة من ضمن تسوية دوليّة أو إقليميّة - دوليّة، ويكون حضور لبنان فيها رمزيًّا، وليتبلغ ما قرّره الخارج عنه في اختيار رئيس للجمهورية.
وتدخّلت خمس دول للمساعدة في حلّ أزمة الرّئاسة المرتبطة بإجراء إصلاحات داخليّة لبنانيّة على الصّعيدين السّياسيّ والاقتصاديّ - المالي، فتكوّنت لجنة خماسيّة من دول: أميركا وفرنسا والسعودية ومصر وقطر، وعقدت ثلاثة اجتماعات لها في باريس والدوحة، وأصدرت بيانات كان مضمونها يدعو لحثّ الأطراف اللبنانيّة على انتخاب رئيس للجمهوريّة، إذ كان لكلّ دولة مرشّحها المُعلن كفرنسا التي أيّدت ترشيح سليمان فرنجية، وهو الموقف الذي اتخذته في العام ٢٠١٦ أيضًا، كما أنّ قطر اتّخذت جانب قائد الجيش العماد جوزيف عون، في حين أعلنت أميركا رفضها لأيّ مرشّح مدعوم من "حزب الله"، وامتنعت السعودية عن التّسمية، وشدّدت على أن يكون الخيار لشخصيّة إصلاحيّة من خارج منظومة الفساد، في حين دعمت مصر أيّ مرشّح توافقيّ.
فاللّجنةُ الخماسيّةُ، لم تصل إلى حلٍّ لانتخاب رئيس للجمهوريّة، ولم يساعده اللّبنانيّون، الّذين لم يتحاوروا حول هذا الاستحقاق، وتمترس كلّ فريقٍ حول مرشّحه، سوى ليونة ظهرت من النائب السابق وليد جنبلاط الذي دعا إلى مرشّحٍ وسطيٍّ أو تسوية ورأى بجهاد أزعور، أنّه ينطبق عليه التّقاطع مع باسيل لكن بعد جلسات الانتخاب، خرج أزعور من التّداول، وبدأ البحث عن مرشّح ثالث، تحدّث عنه أيضًا وفي آخر زيارة له للبنان، الموفد الرّئاسي الفرنسي جان إيف - لودريان.
وتوقّف البحث عن مرشّح ثالثٍ، في وقت تصلّب "الثّنائي الشّيعي" بترشيح فرنجيه، وبقي الاستحقاق الرّئاسي يُراوح مكانه، وهو قد يستمرّ بالدّوران في الحلقة المُفرغة، إذ سبق للبنان أن مرّ بمراحل شغور رئاسيّ، امتدّت في آخر استحقاق عامين ونصف العام، من نهاية أيار ٢٠١٤ حتّى نهاية تشرين الأول ٢٠١٦، إلى أن انتخب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة، بعد تسويةٍ داخليّةٍ مع "تيّار المستقبل" و"القوات اللبنانية " ودعم قويّ من "حزب الله".
لكنّ الاستحقاق الرّئاسيّ، داهمته حرب غزة، الّتي باتت هي الأولويّة عربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا، ولم يعد أولويّة داخليّة في لبنان، بالرّغم من الدّعوة إلى انتخاب رئيس للجمهوريّة، وكذلك دول "اللّجنة الخماسيّة"، الّتي أوقفت إرسال مندوبيها، لأنّ من يحضر من موفدين يتركّز حديثهم حول مشاركة "حزب الله" إلى جانب "حماس" في صدّ العدوان على غزة، لأنّ توسّع الحرب من الجنوب إلى الدّاخل اللّبناني، له تداعياته، كما أنّ الغزو البرّيّ الإسرائيليّ لغزة، له نتائجه أيضًا، ليس على لبنان فقط، بل كلّ "ساحات محور المقاومة" الّتي ستتوحّد في حرب مصيريّة وجوديّة، ستغيّر من خريطة المنطقة.

