رأفت حرب – خاصّ "الأفضل نيوز"
ثلاثة كيلومترات فقط هي المسافة التي تقدّمت إليها آليات جيش العدو الإسرائيلي المدرعّة في شارع صلاح الدين في غزة، ليحتدم القتال بعدها وتنسحب بعد مرور ساعة واحدة.
برز التناقض واضحًا في ما أعلنه الإسرائيليون، حيث تحدثوا عن "عملية واسعة" عند بدء التقدّم، ليظهر سريعًا أنّ هذه العملية ليست واسعة على الإطلاق، وأنّ المقاومة لم تتأخر لتسديد ضرباتها الموجعة.
الهدف الذي أعلنه الإسرائيلي هو تحرير أسيرة لدى حركة "حماس"، لكنّ عمليّة من هذا النوع كيف يمكن وصفها بالعملية الواسعة؟ وكيف يمكن أن تضع المقاومة الفلسطينية أسيرة على بعد ثلاثة كيلومترات فقط من الحد الفاصل بين المستوطنات وغزة؟! إلا إذا كانت الهدف مختلفًا تمامًا عن تحرير أسيرة، كالسيطرة على مساحة معيّنة تشكّل تحوّلًا في مسرح العمليات وقد فشل المقتحمون بتحقيق الهدف.
تُثار الشكوك بشأن الرواية الإسرائيلية، حيث تبدو صور الأسيرة التي انتشرت على وسائل التواصل غير مقنعة ولا تدل على أنها فعلاً كانت في الأسر، فضلًا عن نشرها منشورًا على حسابها على موقع "فيسبوك" بعد انتهاء عمليات الأسر، بتاريخ 12 تشرين الأوّل.
ومن غير المستبعد أن تكون قصة تحرير الأسيرة من نسج استخبارات العدو الإسرائيلي بأمر من رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو، المأزوم حتى الثمالة داخليًّا، والذي يتعرّض لضغوط كبيرة منذ بدء الحرب، خاصة إذا ما ذكّرنا بصور نشرها نتنياهو نفسه ظهر لاحقًا أنه تمّت فبركتها من خلال الذكاء الاصطناعي.
وبالعودة إلى التقدم البري، يُضاف الفشل الأخير إلى الفشل الذي مُنيت به منذ أيام قوّات الاحتلال أيضًا، عندما خرجت وسائل إعلام العدو لتتحدث عن نتائج مخيّبة للمحاولة الأولى للتقدّم باتجاه القطاع.
ويبدو حتى الآن الأفق مسدودًا بشكل كبير أمام الكيان الصهيوني، حيث عجزت تماماً عن تحقيق أي تقدّم والحفاظ عليه بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الحرب، في حين لا يبدو أنّ الاحتلال يمتلك أية ورقة قوة يساوم عليها غير حصار أهل غزة وقتل المدنيين، وهو ما لن يستطيع أن يستمرً بالمحافظة عليه لفترة طويلة، مع تزايد الضغوط الدولي لإدخال المزيد من المساعدات وعدم نجاح الدعاية الإسرائيلية بتهجير العائلات الفلسطينية مِنَ بيوتهم إلى أي مكان آخر.
مثال على ذلك هو قطع شبكة الأنترنت عن قطاع غزة لمدة لم تصل إلى 48 ساعة، ليعاود أهل غزة الوصول إلى الشبكة من جديد، في دليل جديد على عدم إمكانية عزل صوت القطاع عن العالم.
ولا تترك طبيعة التقدّمات البرية الإسرائيلية الفاشلة حتى الآن، على قلّتها، بعد مرور كل هذا الوقت على اندلاع الصراع، أي شكٍّ بالاعتقاد بأنَ الرّعب يسيطر على القيادتين السياسية والعسكرية للعدو من الخسائر التي ستقع بين جنود وضباط الاحتلال بحال الدخول إلى المناطق السكنية، وذلك رغم كل القصف الجنوني الذي يتم تنفيذه قبل محاولة التقدّم لإبعاد المقاومين وتفجير الكمائن المحتمل وجودها.
ويبرز بشكل لافت تصريح الخارجية الأميركية الأخير عن دعوتها "القادة الإسرائيليين" لاختيار أهداف واقعية للحرب، ويعني ذلك أوّل ما يعنيه التخلّي عن فكرة احتلال قطاع غزة والقضاء على المقاومة، نظرًا لعدم قدرة جيش الاحتلال على تحقيق هكذا أهداف.

