يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
مَن أنتِ يا غزة لكي تحشدَ إسرائيل كلَّ طاقاتها العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية من أجل حصارك وكسرِ إرادتِك لا قدّرَ الله؟
ومن انتِ يا غزة لكي تشلِّي اقتصاد الكيان الغاصب وتعطلي دورةَ الحياة فيه، فلا سياحة ولا تجارة ولا تعليم في المدارس والمعاهد والجامعات ولا تجولَ في الشوارع ولا أندية ولا حفلات، وكل المستوطنين الغرباء قابعون في الملاجئ خائفون على وجودهم؟
مَن انتِ يا غزة لكي ينشغلَ العالم كلُّه بأخبارك، ويصطفَّ إما معادياً أو مناصراً، فترسل الولايات المتحدة الأمريكية القذائف عالية التفجير وحاملات الطائرات والصواريخ وتستحدث الميزانيات وتوفر الدعم اللامحدود، وتتدخل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والهند لأجل إذلالك لا سمح الله؟
ومن أنتِ يا غزةُ لتصطفَّ الصين العظيمة وروسيا خلفها في مجلس الأمن وتستخدمان حقَّ النقض ( الفيتو ) لتعطيل القرار الأمريكي الجائر وهما تعتبران غزةَ هاشم رأس حربة الصراع مع قوى الاستعمار الغاشم. والمدافعة عن قيم الحق والعدل والكرامة الإنسانية في الأرض؟ ومن أنتِ لكي تتحركَ الجماهير في كل عواصم العالم في تظاهرات مليونية من أجل نصرتك وهم يفخرون بإنجازاتك ويبكون على أطفالك الذين ارتقوا شهداء ليدافعوا بغياب ابتساماتهم عن القيم الإنسانية والحضارة الإنسانية في مواجهة التوحش البهائمي والظلم والعدوان؟
ومن أنت يا غزةُ لكي تقفي وحدَك، بعدَ حصار وتجويع استمرَّا لأكثرَ من ستةَ عشرَ عاماً، تدافعين عن كرامة الأمة العربية التي أثخنتها الجراح، وأمعنَ العدوان في إذلالها وتطويعها بعد كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وبعد صفقة القرن وورشة البحرين، وبعد مشروع بريمر وتطلعات كوشنير؟
أيُّ رجالٍ صناديد مؤمنون هم رجالُك، وأيةُ نساء صابرات محتسبات هنّ نساؤك، ومن أي معدَن صُهرتِ يا غزة هاشم يا منبتَ البطولات ويا موئل الأحرار؟ وكيفَ تنبعثين من الرماد بعد كل عدوان وتغدين أقوى وأصلب؟
إنَّ الذي يعرف غزة يدرك أن مساحتها لا تقاس بالكيلومترات، وإنما تقاس بالكرامات والأمجاد والتضحيات، فمساحة غزة، كما يقولون هي 365 كيلومتراً مربعاً، وطولها واحد وأربعون كيلو متراً وعرضها من جهة الشمال خمسة كيلومترات ومن جهة الجنوب خمسة عشر كيلو متراً،، وفيها أكبر كثافة سكانية في الأرض من أشراف الأرض وأحرارها، إن الذي يعرفها يتساءل بذهول ودهشة : كيف لهذه الحرّة الأبيّة أن تعاند أقوى جيوش المنطقة ومن خلفه أقوى جيوش الأرض؟ وكيف لها أن تكون مالئةَ الدنيا وشاغلةَ الناس؟
نعم، لقد أثبتت غزةُ هاشم للأمة العربية أولاً أنها الأحرص على إرث النبي العربي ( ص )، وأنها الأقدر على الثبات والعناد ورفض الذل والعبودية، وأن هذا العدو الذي امتدت مجازره وجرائمه على خارطة الوطن الكبير لا يمكن الركون له ولا الركوع له لأنه خطر داهم على المنطقة بأسرها، وبالتالي فهي تقاتل عن كل العرب وتحمي كل العرب، وهي التي تقول : ( لا ) في مواسم التطبيع والتوقيع والخضوع والخنوع، لأنها تثق تماماً بأن " ما أُخِذ بالقوة لا يسترد بغير القوة"، وتدرك تماماً " بأن ثمنَ المقاومة فادح ولكن ثمنَ الذل أفدح" كما قال القائد الملهِم جمال عبد الناصر.. وهي في الوقت عينه تلهم أحرار الأرض لكي لا يثوروا على الطغيان ويدافعوا عن الحقوق الإنسانية فمهما تعاظم جبروت أمريكا لن تكون أقوى وأقدر وأكبر من الله سبحانه والله أكبر وأعز وأقدر وغزة تثبت اليوم للكون كله وتعَلم الأذلاء هذه القناعة وهذه العقيدة وتعلمهم أن يتجاوزوا عقدةَ الخوف فيهم وأن يرفعوا رؤوسهم رغم صعوبة هذه الدروس عليهم.
وفي الختام، فإنَّ غزة تذكرنا اليوم بقول الشاعر عمر أبو ريشة للمرأة الأندلسية التي التقاها في الطائرة فقال :
( قلتُ يا حسناءُ مَن أنتِ؟ ومن
أيِّ دَوحٍ أفرعَ الغصنُ وطالا
فرنَت شامخةً أحسبها
فوقَ أنساب البرايا تتعالى
وقالت :...
هؤلاء الصيدُ قومي فانتسب
إن تجد أكرم من قومي رجالا).

