عبدالله قمح -خاصّ الأفضل نيوز
تستمرُّ الاتصالات من أجل التفاهم على حلول لتفادي الشغور في قيادة الجيش. ولوحظَ أن موضوع تعيين رئيس للأركان تقدم في البحث خلال الأيام الأخيرة على حساب فكرة التمديد لقائد الجيش الحالي العماد جوزيف عون. ويُحكى أن ما يُعمل على إنضاجه هو كناية عن "باكيج ديل" درزي – مسيحي – شيعي مدعوم سنيًّا، ويلحظ هذا التوافق حلاَ مقترحاً لموضوع قوى الأمن الداخلي.
وعلى أهمية ذلك، فإن التوافق هذا لا يلغي فرضية أن يستلم إدارة شؤون الجيش الضابط الأعلى رتبة، وهي الفرضية التي تدعمها سابقة حصلت قبل أسابيع قليلة في قوى الأمن الداخلي. ويحكى أن تقديم اقتراحات الحلول تدريجيًّا له مغزى واحد وهو معاينة مدى إمكانية نجاحها. وإن تعذر، يجري الانتقال إلى اقتراح آخر. هذه النظرية، تخدم فكرة رائجة تشير إلى أن سقوط احتمال تعيين رئيس الأركان يمهد بشكل حاسم لأن يتولى صاحب الرتبة الأعلى قيادة الجيش (أي اللواء المتفرغ في المجلس العسكري بيار صعب) .
وأعطى مصدر بارز مطلع على تفاصيل المفاوضات الجارية حول قيادة الجيش مهلة "شهرين" لانضاج الحل عمليًّا، مع إمكانية ضم رئيس حزب القوات سمير جعجع كطرف يتحمل جزءاً من المسؤولية عمَّا آلت إليه أمور قائد الجيش العماد جوزيف عون نتيجةً لسوء تقديراته.
تصرّف جعجع في الأيام الأخيرة من خلفية رد الفعل، فقد قرّر، بعد اجتماع رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل ورئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية وإعلان رفضهما التمديد لقائد الجيش جوزيف عون، أن يسير عكسهما وأوعزَ إلى أعضاء كتلته النيابية تحضير اقتراح قانون معجل مكرر ببند وحيد وهو التمديد لقائد الجيش من خلال رفع سن تقاعد "رتبة العماد" استثنائيًّا ولمرة واحدة وإيداعه مجلس النواب، وقد اقترن الاقتراح هذا بطلب مشاركة مشروطة في جلسة لمجلس النواب ببند وحيد وهو التمديد.
وقد أثار هذا القرار استياء رئيس مجلس النواب نبيه بري والذي تعاطى معه كنوع من الابتزاز، ورأى فيه انتقاصاً من قيمة المجلس. وتدرج بري في مواقفه سريعاً فعمم بداية أنه لا يمكن التعاطي معه بهذه الطريقة، ولا يقبل من أحد وضع شروط عليه في مسألة حضور الجلسة أو فرض جدول أعمالها بالإكراه، ثم ما لبث بري أن طوّر موقفه فقال: إنه غير مستعد للدعوة إلى جلسة لمجلس النواب، ثم أشيع نقلاً عن زواره أنه يحضّر للدعوة إلى جلسة نيابية " عندما تسمح الظروف" وعلى جدول أعمالها مجموعة اقتراحات قوانين من بينها اقتراح نواب القوات واقتراح آخر تقدمَ به النائبان بلال عبدالله وهادي أبو الحسن لرفع سن تقاعد الضباط.
لعب بري بحنكة وهو يعلم أن النواب المسيحيين و"القواتيين" تحديداً لن يحضروا جلسة على جدول أعمالها بنود أخرى غير موضوع التمديد لقائد الجيش وهم سيقاطعون الجلسة، وإن حضروا فهذا يعني أنهم تنصلوا من مواقفهم السابقة برفض التشريع في ظل عدم وجود رئيس، ويكون بري عمليًّا قد فاز على الجبهتين فيما لو حضر أو قاطع "القواتيون"، وقد أظهرهم بأنهم أصحاب ازدواجية في المواقف والمعايير وغير ثابتين سياسيًّا.
ولعل الأمر الأهم أن جعجع بدل أن يسدي معروفاً إلى العماد عون، وأن يرضي الأميركيين بعد سيره في مشورتهم، تراه وجّه أكبر صفعة لقائد الجيش. فإذ كان ثمة أمل ولو ضئيل في أن "يمرَّ" الرجل من خلال قانون تمديد فإن جعجع قضى عليه بفضل خفته السياسية.
وليست المرة الأولى التي يمارس فيها رئيس حزب القوات الإيذاء بحق من يدعمهم. فخلال قداس شهداء القوات في العام الماضي، وأمام "صف أول" مسيحي حضر القداس، أعلن جعجع تأييده صراحة لجوزيف عون مرشحاً رئاسيًّا فيما لم يكن بعد قد بدأ التداول الرسمي باسمه من جانب القوى الغربية تحديداً، وقد أدى كلام جعجع يومها إلى استيلاد إئتلاف صلب بين القوى المناهضة لترئيس العماد جوزيف عون على اختلاف مشاربها ووجهات نظرها لترص صفوفها وتقف سدًّا منيعاً أمام أية محاولات لترئيس قائد الجيش، لتترنح المحاولة بداية، وتبدأ فيما بعد بالسقوط تدريجيًّا مع توجه كل فريق إلى دعم مرشح مختلف.
إن تصرفات "القوات" ورئيسها سمير جعجع توحي أحياناً بأن الغرض منها ليس سوى إنهاء حظوظ بعض الأسماء على حساب أخرى، وقد يعتقد البعض أنها تندرج في سياق خطط القوات لتفريغ الإدارة من محتواها وانتظار قدوم تحولات قد تجعل من الملف اللبناني بنداً مطروحاً على النقاش المفتوح حول شكل النظام وما شابه ذلك من قضايا. وثمة من يعتقد من اللبنانيين بأن خطوة القوات في مسألة دعم عون، عسكريًّا أو رئاسيًّا، قد جاءت كخطوة مدروسة لتفويت الفرصة على من سواه من خصوم وكسب ود الأمريكيين في الوقت عينه.

