أكرم حمدان- خاصّ "الأفضل نيوز"
ذكرت شبكة "سي. أن .أن" الأميركية، أنه لا يوجد دليل حتى الآن على وجود شبكة أنفاق تحت مستشفى الشفاء في غزة ، في وقت يصرُّ الاحتلال الإسرائيلي على نشر روايةٍ تضليلية ، تدّعي أنّ مستشفى الشفاء يمئّل "بنيةً عسكريةً للمقاومة الفلسطينية"، وأنها "تحتجز أسرى إسرائيليين فيه".
ما يستوقف في خبر السي.أن.أن هو السؤال :هل استفاق الإعلام الغربيّ عموماً والأميركي خصوصاً من غيبوبته وقرّر الخروج من سقوطه المدوّي في غزة؟
ربما من المبكّر الإجابة على هذا السؤال ، خصوصاً وأن السقطات كانت ولا تزال كثيرة وكبيرة وهي على ما يبدو ناتجة عن القرار السياسي الموجّه والمُتحكم بوسائل الإعلام الغربية التي تدًعي المهنية والموضوعية والحياد.
فمنذ أيام أطاحت تغريدة على منصة "X" بمسؤول رياضي في إنكلترا حيث أخضَع اتحاد كرة القدم في إنكلترا أحد أعضاء مجلسه للتحقيق، وسيم حق، بسبب قوله "أدولف هتلر سيكون فخوراً ببنيامين نتنياهو".
وكان يشغل حق عضوية مجلس اتحاد التنس البريطاني، قبل أن تتم إقالته عقب التغريدة التي ربط فيها بين رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وزعيم النازية أدولف هتلر.
وهذا فريق العمل لدى شبكة الـ بي بي سي في الضفة الغربية والمؤلف من 12 شخصاً، يستقيلون على الهواء مباشرة من عملهم في المحطة، احتجاجًا على عدم نشر تقاريرهم عن مجريات الأحداث في فلسطين، ونشر تقارير كاذبة ومغايرة للواقع لصالح إسرائيل فقط.
ويبدو أن المدرسة العريقة في الإعلام في بريطانيا ستُصبح مثار جدل وتهكُّم عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي ، بسبب التلفيق وعدم نقل الحقائق، فمنصات التواصل الاجتماعيّ تتداول مشهدًا لامرأة بريطانية تُوبِّخ إبنتها لتنهاها عن الكذب، وهي تقول: "إذا لم تتجنَّبي الكذب وأنتِ صغيرة، فإنك حين تكبرين ستصيرين مذيعةً من مذيعات البي بي سي".
لقد كنا نعتقد أن العالم كان يتّجه نحو إقرار نظام يحتكم إلى مواثيق دولية، ومؤسسات أمميّة تكبح الدول المُتغطرسة وتلجم الكيانات المعتدية، غير أننا وأمام ما يجري في غزة ، ربما يكون الأفضل هو إعلان إفلاس النظام العالمي.
فالدرس الأول من السقوط في غزة ،هو أنَ التكنولوجيا ليست مجرد أدوات نستعملها لنقل الواقع، بل هي أداة في خدمة منظومة تبيح "حجب المحتوى" الذي لا يتناسبُ مع الواقع ، أما الإعلام التقليدي فقد أثبتت الحرب على غزة، أن دوره بات مقصورًا على تأطير الوعي.
لقد صارت القنوات التلفزيونية الأوروبية والأميركية توظف مهنيتها العالية بغرض التعتيم على الخبر الذي لا يخدم السردية الرسمية المبرِرة لمنطق الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي لا يقفُ عند حد.
مرةً جديدة، يسقط القناع عن أكاذيب وزيف وتضليل الإعلام الغربي، الأوروبي والأميركي، الذي ربما كان الكثير منا يعتبره الأكثر صدقًا وموضوعية، فمنذ يوم السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي وهو يخدع العالم ويزيّف الحقيقة على الأرض، وما يحدث من دمار ووحشية ضد الأطفال والنساء والشباب والشيوخ في قطاع غزة وممارسة أبشع أنواع التطهير العرقي والعنصرية البغيضة، ضد الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من قادة العالم الذي كان "متحضرا" ويبكي من أجل حقوق الإنسان فى إسرائيل.
لقد أصبحت الأخبار الكاذبة والمعلومات المضلّلة، هي العنوان الرئيسي لكافة تغطية محطات الأخبار المعروفة في الغرب وفي الولايات المتحدة الأميركية، وكأنها موكلة بإدارة الحرب الوحشية المدمّرة ضد الشعب الفلسطيني في غزة، أو بالتنسيق مع إدارات الحرب في تل أبيب وواشنطن على توجيه وتهيئة الرأي العام العالمي لدعم المخططات الإسرائيلية والأمريكية الخبيثة في المنطقة، وشيطنة منظمات ودول المنطقة وجرّها إلى آتون حرب لا يعلم مداها أحد ولا يعرف تداعياتها إنسان.
لقد أسقطت الحرب على غزة مرة جديدة قناع الخداع والكذب للإعلام الغربي وانحيازه ضد القضايا العربية العادلة والوقوف إلى جانب العدوان، وهذه إحدى النتائج المبكرة للحرب .
لقد أبدعت محطة "سي. أن. أن" بالكذب والدجل والتضليل الإعلامي والتزييف في الحرب على غزة وانحيازها السافر ضد الفلسطينيين وحقهم المشروع في الدفاع عن أنفسهم من أجل حلم دولتهم المستقلة،وما الفيديو الذي يظهر فيه المخرج وهو يوجّه مراسلة الأخبار والمصور عبر الهاتف، بأن يتظاهرا بأنهما تعرّضا لصواريخ حماس ، إلا دليل قاطع على ذلك.
لقد تمَّ توريط رئيس أكبر دولة في العالم وهو جو بايدن في فخ ومزاعم وأكاذيب الإعلام الغربي الذي يقوده أنصار إسرائيل ورواية قطع الرؤوس للأطفال، ما دفع البيت الأبيض لتكذيب الرئيس ونفى الكذبة التي ردّدها بايدن دون أن يحدّد مصدرها، واتضح أن جنديا إسرائيليًا اخترعها ومرّرها لوسائل الإعلام المتعطشة لإدانة الضحايا الفلسطينيين.
نشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأميركية أخبارًا غير موثقة عن عمليات اغتصاب للنساء نُسبت إلى المقاومين الفلسطينيين ثم تراجعت عن الخبر .
تجاهلت وسائل الإعلام الغربي المذابح الجماعية بالطائرات والإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وركّ اهتمامه على فتاة ألمانية زعموا بأن الفلسطينيين قتلوها ، ثم اتضح أنها على قيد الحياة وأن أهل غزة هم من أنقذوا حياتها.
وهل يُعقل أن يتصدر عنوان وخبر كله كاذب ومفبرك،صحيفة عريقة كبرى مثل "ديلي ميل" البريطانية التي تأسست عام 1896 ويزور موقعها الإلكتروني 100 مليون زائر شهريًا ومتوسط عدد قرائها يوميا أكثر من مليون قارئ، وتتبنّى رواية كاذبة نقلتها مراسلة إحدى القنوات الإسرائيلية عن مسؤولين زعموا"إنهم عثروا على جثث لأربعين رضيعًا برؤوس مقطوعة في مستوطنة كفار عزا"، دون التدقيق، وهو ما قامت به أيضاً صحيفة "التايمز"البريطانية التي كتبت على صفحتها الأولى، "حماس تذبح حناجر الرضّع"،بينما من كذًب هذه الإدعاءات هو صحافي إسرائيلي يُدعى "أورن زائيف" على صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي، نافيًا وجود أي دليل عن قتل حماس للرّضع.
إن تحليل الخطاب الإعلامي الغربي يَشي بأن أميركا وأوروبا تفقدان كل نقاط الاسترشاد للسير في طريق المستقبل، وتتمسكان ببلاغة هي أقرب إلى إمبريالية القرن التاسع عشر، منها إلى بلاغة جديدة تفتح أفقًا سياسيًا يضمن التعايش بين مختلف مكوّنات المنطقة.
إن ما يصدر عن الشعوب،من ردود أفعال طبيعية تشجب ما يحصل في غزة ، يبعثُ على الأمل في أن يلتحم الناس، بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافيّة والثقافيّة والحضارية،بحثًا عن أفق جديد للتعايش، واستشرافًا لنظام عالمي يخلُف النظام المتهالك.

