عماد مرمل _خاصّ الأفضل نيوز
حتى المؤسسة العسكرية، التي باتت تشكل خط الدفاع الأخير عن البلد وصمام أمانه الوحيد، لم تنجُ من شظايا التجاذب الداخلي المستعر فوق أنقاض سلطة متهالكة ووطن منهك.
وعلى رغم أن الجيش اللبناني يكاد يكون المؤسسة الوحيدة التي لا تزال متماسكة وفاعلة في دولة تعاني من الشغور والضمور، وعلى رغم أن السياسيين الذين يفرقهم كل شيء تقريبًا يلتقون في أدبياتهم حول الإشادة بالجيش والتغني به، إلا أنه عندما حانت لحظة الاختبار والحقيقة، تحوّلت المؤسسة العسكرية إلى مادة للسجال والاشتباك بين القوى الداخلية، وراح الرصاص السياسي الطائش يتطاير فوقها باسم الحرص عليها والاهتمام بها!
ومن الواضح أن حسابات سياسية وشخصية ورئاسية وكيدية تتحكم بمقاربات بعض الأطراف لاستحقاق استباق الشغور في قيادة الجيش، سواء بالتمديد للعماد جوزف عون أو بتعيين قائد جديد أو بتكليف الأعلى رتبة تولِّي القيادة وسط استمرار الشّغور في موقع رئيس الأركان.
والمستغرب أن أغلب المتعاطين بهذا الشأن الدقيق يتصرفون كما لو أن الوضع العام طبيعي ويتحمل هذا الترف بزج الجيش في زواريب الحسابات الضيقة، وكأن لا حرب في غزة، ولا قتال على الحدود الجنوبية، ولا خطرًا داهمًا جرّاء أزمة النزوح السوري، ولا فراغ في رئاسة الجمهورية ولا شلل في المؤسسات الدستورية.
إنه الإنكار المتكرّر للواقع والإصرار الدائم على اعتماد سياسة النعامة، ترجمة لسلوك صبياني، يعكس خفة غير مسبوقة وضعفًا في حس المسؤولية الوطنية.
وأخطر ما في الأمر هذه المرة أن مفاعيل تلك العبثية السياسية اخترقت أسوار اليرزة، متلاعبة بمصير موقع القيادة الذي لا يتحمل استخدامه في لعبة المناكفات، خصوصًا وسط التحديات الداهمة على كل المستويات.
وضمن مفارقات هذا الملف، أن من عُرف تاريخيًا بخصومة شديدة مع الجيش إلى درجة محاربته بات اليوم يزايد في الحرص عليه، ومن خرج أصلا الى السياسة من رحم المؤسسة العسكرية ونسيجها أصبح على خصومة مع قيادتها الحالية ورافضا للتمديد لها.
واذا كان مركز قائد الجيش، الذي يشغله ماروني، يهم بالدرجة الأولى المسيحيين المفترض بهم أن يكونوا معنيين، أكثر من غيرهم أو مثلهم، بتحصينه وحمايته، إلا إن القوتين المسيحيتين الأكبر، اي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، انقسمتا بحدّة حول الخيار الأجدى لتفادي الفراغ في هذا المركز، وتبادلتا الهجمات العنيفة على محور اليرزة، وسط انقلاب غريب في الأدوار: سمير جعجع مع جوزف عون وجبران باسيل ضده!
الى ذلك، يوضح نائب في تكتل الاعتدال الوطني الذي التقى الرئيس نبيه بري قبل أيام "أن الخيار المتقدم حتى الآن يتمثل في أن تتولى حكومة تصريف الأعمال معالجة وضع قيادة الجيش مع اقتراب نهاية ولاية العماد جوزف عون"، مشيرًا إلى أن المطروح أمام الحكومة هو التمديد لعون بعد تأخير تسريحه لسنة أو تعيين قائد جديد بناء على اقتراح الوزير المختص.
ويلفت إلى أن التمديد يبدو الأكثر رجحانًا،" لكن حسمه ينتظر التأكد من إمكان تحصينه قانونيا بغية تحصينه ضد أي طعن محتمل لاحقا."
ويوضح النائب إياه أنه إذا تعثرت المعالجة عبر الحكومة، سيؤول زمام المبادرة إلى مجلس النواب حيث توجد أربعة اقتراحات قوانين لتمديد ولاية عون، على أن يجري دمجها في قانون واحد، معتبرًا أنه وأيا كان السيناريو الذي سيعمتد فإنه سيراعي الميثاقية، علمًا أن التيار الوطني الحر هو وحده المعترض على التمديد.

