كتب النقابي والمستشار التربوي سابقًا عدنان برجي:
"على مدى ثلاثة أيام متتالية، وبمبادرة جريئة وغير مسبوقة من رئيس لجنة التربية والثقافة النيابيّة النائب الأستاذ حسن مراد، ومن أعضائها كافة ، وبرعاية من دولة رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري، شهدت قاعة المكتبة في المجلس النيابي مناقشات صريحة وحوارات عميقة بين أطراف القطاع التربوي التعليمي: الرسمي والخاص، العام والمهني، الأساسي والثانوي والجامعي، والنواب المعنيين بالتشريع، الوزراء المعنيين كسلطة تنفيذية، والموظفين الذين يطبقون القوانين ويعملون وفق هيكليات وزاراتهم ومؤسساتهم، ومراقبين من خبراء في التربية والعمل النقابي ، وممثلي البنك الدولي ، وإعلاميين وتربويين.
من حيث الشكل، إنها المرة الآولى التي تجتمع فيها جميع أطراف العملية التربوية والتعليمية تحت سقف واحد، وكلٌّ يعرض ما لديه بحرية مطلقة. النقابي يعرض مطالبه وتصوراته. الموظف يعرض ما لديه من وقائع على الأرض. الحكومة، ممثلة بوزير التربية ووزير المال وموظفين كبار في الوزارات المعنية، تعرض ما لديها من إمكانيات مالية. النواب يسائلون الحكومة والموظفين ويطرحون الهواجس التي يسمعونها همسًا أو في الإعلام، ويقدمون رؤى إصلاحية مُستمدة من تجاربهم في العمل التربوي سواء خارج لبنان أو داخله.
السادة النواب كما النقابيين من منابع فكريّة وسياسية متنوعة، وهذا ما أغنى النقاش وجعله أكثر شمولية وحيوية، والموظفون أضاءوا على ما يملكون من مقدرات وقدرات وشواغر وظيفية زادت من حدتها الأزمة الاقتصادية وتدني الرواتب وانعدام الحوافز، وقد كانت المعضلة المادية هي الأكثر سطوعًا في جميع المناقشات، مما يعكس الهاجس الكبير على التعليم الرسمي بجميع مراحله وعلى التعليم الخاص بجميع فئاته، سيما وأن انعدام المنافسة وضعف الرقابة الرسمية يقللان من جودة التعليم وبالتالي من المستوى التعليمي الذي استفاد منه اللبنانيون لعقود في الداخل كما في الخارج.
وقد خلص المجتمعون إلى توصيات واسعة واقتراحات محددة، وإلى لجنة متابعة من النواب تستعين بمن تراه مناسبًا لمناقشة اقتراحات التشريع اللازمة لوضع التوصيات موضع التنفيذ، على أن هذه التوصيات غلبت عليها المطالب الآنية والملحة، والتي يجب معالجتها بالتأكيد وبالسرعة اللازمة لانتظام العام الدراسي ووقف النزف الحاصل في الجسم التربوي والتخفيف من معاناة الأهل من الأقساط التي لا تتناسب والقدرة الشرائية لليرة اللبنانية، بل لا تتناسب مطلقًا مع نسبة رواتب الغالبية العظمى من العاملين اللبنانيين في القطاعات كافة.
لكن الأهم هو أن يتم العمل على الإصلاح البنيوي لقطاع التربية والتعليم في لبنان، والانتقال من مرحلة الترقيع إلى مرحلة الإصلاح الجذري.إن القوانين والتشريعات وبعضها يعود إلى أكثر من ستين عامًا لم تعد تلائم المتغيرات التقنية ولا التوسع في أعداد الطلاب والمدارس، ولا التنوع في الاختصاصات، ولا التجدد في المناهج.
وقد اعتاد الجميع إطلاق الصرخات أو تقديم الاقتراحات لكن التجاوب، إن حصل، كان جزئيًا والحلول مجتزأة ولطالما وجدنا تشريعات تتناقض مع تشريعات أخرى، وقوانين تتضارب مع قوانين أخرى، ومراسيم تلغي مراسيم سابقة بدون مسوغات كافية. كذلك لم تكن هناك شفافية واجبة فيما يُقدم من هبات من دول ومؤسسات مانحة وما يُفرض من قروض تُصرف غالبًا وفق رغبة مقدِّم القرض وليس وفق حاجة التربية، ناهيك عن المحسوبيات والمحاصصات والتي أدت إلى ضعف الثقة بأهل السلطة وأركانها.
ما يشجع على ولوج الإصلاح التربوي، ما تضمنته التوصيات لجهة إعادة هيكلة وزارة التربية والتعليم العالي ومديرياتها والمؤسسات التابعة لها،وحل معضلة المتعاقدين بمختلف تسمياتهم، وإعادة النظر بقوانين الجامعة الوطنية لاسيما القانون 75/67 الذي أُقر وكانت الجامعة بدون فروع وبعدد محدود من الكليات.
كما أن التشجيع على خطوات إصلاحية جاء من توافق المشاركين على أن بعض قطاعات التربية لا سيما الجامعة والتعليم المهني يمكن أن يكونا قطاعين استثماريين، مما يخفف من العبء المالي على موزانة الدولة وبالتالي التخفيف من الضرائب والرسوم التي يرزح تحتها المواطن اللبناني، وفي الوقت عينه يدفعان بالجامعة والتعليم المهني والتقني إلى التطور والتقدم.
إن أمام لجنة المتابعة النيابية عمل كبير ومتشعب وطويل الأمد، وحسنًا فعلت بحرصها على الاستعانة بالخبراء وأهل الاختصاص، فالتشريعات التربوية بحاجة لرؤية جديدة ولقوانين جديدة توقف التضارب بين صلاحيات الأقسام التربوية وتخفف من الهدر المالي، وتزيد من الشفافية لتعزيز الثقة بين المواطن والمسؤول".

alafdal-news
