عماد مرمل _خاصّ الأفضل نيوز
مع انحسارِ دخانِ العدوان على قطاع غزة بفعل هدنة الأيام الأربعة، ظهر بوضوح أن المقاومة الفلسطينية وفي طليعتها حركة حماس فازت بالنقاط في الجولة الأولى من الحرب الإسرائيلية المتفلّتة من الضوابط، علمًا أن "النصر الاستراتيجي" بمفاعيله المتعدّدة تحقق أصلا في 7 أكتوبر بمعزل عما فعله أو يمكن أن يفعله جيش العدو لاحقا.
لكن، هناك من يتساءل ببراءة أو بخبث: كيف تكون "حماس" هي الرابحة حتى الآن، وقد بلغت كلفة العدوان إلى حين تعليقه، عشرات آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين والمنكوبين ومئات آلاف النازحين إلى جانب الدمار الهائل في المنازل والمرافق وتقطيع أوصال القطاع وشرايينه؟
هذا السؤال يطرحه البعض بموضوعية من باب البحث عن الحقيقة المجردة بعيدًا من تأثير العواطف الجياشة، إلا أن البعض الآخر يطرحه انطلاقا من روح انهزامية وعداء متجذِّر لخيار المقاومة وفصائلها في كل الساحات وبالتالي فإن هذه الفئة تسعى عبر تلك المقاربة المبتورة إلى إضعاف المعنويات وإدانة المقاومة ضدّ الاحتلال وتحميلها مسؤولية ما حلّ بغزة وتبرئة المرتكب الحقيقي أو منحه مبررات مُعيبة وأسباب تخفيفية!
أما الرد على إشكالية "النصر والفاتورة" فينطلق من كون تعريف الربح هنا لا يتم على قاعدة تحديد حجم الخسائر البشرية والمادية، وإنما على أساس رصد ما تحقق وما لم يتحقق من الأهداف التي حدَّدها العدو الإسرائيلي حين بدأ حربه الهمجية على غزة، وهو المعيار نفسه الذي تمَّ اعتماده عام 2006 للإعلان عن انتصار حزب الله في حرب تموز على رغم ثمنها الباهظ، إذ كان يكفي أن تصمد المقاومة آنذاك في مواجهة محاولة "سحقها"، وفق الهدف الذي حدَّده العدو لعدوانه، حتى تكون قد انتصرت، أي أن فعل الصمود هنا يساوي في حد ذاته نصرًا واضحًا.
بناء عليه، فإن المعادلة نفسها تنطبق على غزة، في معرِض تشريح حصيلة مجريات المواجهة لغاية الآن، في انتظار ما ستحمله المرحلة المقبلة.
ليس خافيًا أن قادة الكيان كانوا، حتى عشية التوصل إلى التهدئة، يعلنون عن معارضتهم لأي وقفٍ لإطلاق النار، وإصرارهم على تصفية "حماس" كليًا، ورفضهم حصول تفاوض معها، وعزمهم على تحرير المحتجزين لديها بالقوة.
ولكن بعد نحو 50 يومًا على بدء العدوان أخفق الاحتلال في تحقيق أيٍ من هذه "الطموحات" واضطر في نهاية المطاف إلى الرضوخ للأمر الواقع والقبول رغمًا عنه بهدنة الأيام الأربعة القابلة للتمديد، وبصفقة تبادل مريرة بالنسبة إليه لأنها حرَّرت عددًا كبيرًا من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من نساء وأطفال، وكذلك اضطر تحت الضغط إلى السماح بزيادة وتيرة دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر ومن ضمنها الوقود الذي كان العدو يرفض مروره.
ولعله من المفيد الإشارة في هذا السياق إلى موقف الوزير الإسرائيلي المتطرف بن غفير الذي اعتبر أن "حماس" حصلت على كل ما تريد، معدّدًا مكاسبها كالآتي:
"- أرادت "التخلص" من النساء والأطفال في المرحلة الأولى، لأنهم تسببوا في ضغط دولي عليها.
- أرادت الوقود.
- أرادت إطلاق سراح الإرهابيين.
- أرادت تعليق عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي.
- وحتى حظر الطلعات الجوية حصلت عليه أيضا."
أما من يفترض أن مسؤولية المأساة التي أصابت غزة تقع على"حماس" لأنها هي التي بادرت إلى تنفيذ عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر فيجب أن لا يتجاهل أن هذه العملية هي ردّ فعل مشروع بل ومتأخر على الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية والحصار المتمادي لقطاع غزة والاعتداءت المتواصلة على المقدسات وفي طليعتها المسجد الأقصى والاعتقال التعسفي لآلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
إن الواقعية، وليست الديماغوجية، هي التي تفضي إلى الاستنتاج بأن المقاومة الفلسطينية نجحت، أقله حتى تاريخ ولادة الهدنة، في تحقيق إنجاز نوعي تمثَّل في قدرتها على احتواء زخم أو اندفاعة المرحلة الأولى من العدوان لتثبت تفوقها في حرب الإرادات وإن كان الاحتلال المدعوم من الولايات المتحدة وأغلب الغرب يسبقها بما لا يقاس على مستوى ترسانته العسكرية.
لقد تأكد مرة أخرى أن موازين القوى في المواجهة بين الحق والباطل لا ترتبط فقط بالعوامل المادية وإنما بمن يحرِّكها قبل أي شيء آخر.

