ميرا عيسى- خاصّ الأفضل نيوز
"إن الخائفين لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة"، هكذا عبّر القائد جمال عبد الناصر بعد إطاحته بالملك فاروق فور انتصار ثورة الضباط الأحرار على الحكم الملكي والانتداب، بعد أن قامت ثورة 23 يوليو لتحرر الفلاح من مقصلة رب العمل ليشعر للمرة الأولى في حياته أنه هو صاحب الأرض التي يحرثها.
ثورة تهدف للقضاء على الاستعمار والإقطاع وسيطرة رأس المال، بل كانت ولادة استثنائية للمشروع العربي القومي، الذي يهدف إلى تحقيق نهضة شاملة والتخلص من التبعية، وإنشاء دولة عربية موحدة من المحيط إلى الخليج لضمان سيادة واستقلال الأمة.
وبينما كان الهدف صياغة أمة عربية وازنة ومستقلة، نجد أنفسنا اليوم نعيش غيبوبة استراتيجية مستباحة من مشاريع الجوار الإقليمي. فإلى أي حد يثبت هذا الفراغ الاستراتيجي الشامل أن رؤية عبد الناصر القومية كانت خط الدفاع الأخير عن السيادة، وأن التفريط بها كان خطيئة تاريخية دفعنا ثمنها عقوداً من التبعية؟
من تحرك الضباط الأحرار إلى ولادة الجمهورية
مثّلت ثورة 23 يوليو 1952 منعطفاً تاريخياً حاسماً؛ حيث قاد تنظيم «الضباط الأحرار» بقيادة اللواء محمد نجيب والزعيم جمال عبد الناصر تحركاً عسكرياً ضد الحكم الملكي والاحتلال البريطاني، في ظل احتقان شعبي أذكاه الإقطاع وصدمة هزيمة 1948 وفضيحة الأسلحة الفاسدة.
وفي منتصف ليلة الثورة، سيطرت القوات على المواقع الحيوية في القاهرة واعتقلت القيادات الموالية للملك، ليُذيع أنور السادات البيان الأول معلناً انطلاق "الحركة المباركة".
حققت الثورة إنجازات جذرية أعادت رسم وجه مصر؛ بدأت بتنازل الملك فاروق عن العرش (26 يوليو 1952)، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي لتوزيع الأراضي على صغار الفلاحين (سبتمبر 1952)، ثم إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية رسمياً (18 يونيو 1953)، وصولاً إلى توقيع اتفاقية الجلاء عام 1954 التي تُوّجت برحيل آخر جندي بريطاني عام 1956 وتأسيس مرحلة جديدة من السيادة الوطنية.
الوحدة كدرع أمني
لم تكن القومية عند ناصر شعاراً شعبوياً، بل عقيدة أمن دفاعية تعتبر الجغرافيا العربية كتلة متصلة وقدرًا واحدًا؛ ففي عالم لا يحترم إلا التكتلات الكبرى، آمن بأن تفتيت المنطقة يجعل دولها لقمة سائغة، وأن السيادة والوزن الاستراتيجي للعرب لن يتحققا إلا بالتحرك ككتلة موحدة تستثمر موقعها، وثرواتها، وطاقتها البشرية. وقد نجحت الناصرية في قيادة قاطرة التحرر وتصفية القواعد الأجنبية وتأميم السويس، موازاةً مع ترسيخ العدالة الاجتماعية محلياً عبر قوانين الإصلاح الزراعي والتعليم المجاني الذي أسس لصعود الطبقة الوسطى.
إن الحقيقة الجيوسياسية الصارمة تؤكد دائماً أن القوة في السياسة لا تقبل الفراغ، وإذا لم يصنع أصحاب الأرض مشروعهم الخاص لحماية فضاءاتهم الحيوية، ستأتي مشاريع الآخرين لتقاسمها، واليوم، نجد جواب هذا الطرح مكتوباً بدموع السيادة المستباحة في أكثر من عاصمة عربية، حيث روج خصوم القومية العربية سابقاً لفكرة أن الانكفاء على الذات وشعار "دولتنا أولاً" هو طريق الاستقرار والتنمية، لكن العقود التالية لها أثبتت عكس ذلك تماماً، إذ تسبب التخلي عن مظلة الأمن العربي المشترك في تجريد الدول العربية من خطوط دفاعها الجماعية، وجعلها تواجه العواصف فرادى.
وبإسقاط هذه الرؤية لبنانياً، يمكن الجزم بأن تعاون بيروت مع مشروع عبد الناصر وتبنيها للأمن القومي الشامل كان سيوفر على البلاد حرباً أهلية دامت 15 عاماً؛ إذ لم تكن تلك الحرب صراعاً داخلياً عفوياً، بل مشروع صهيوني ممنهج استهدف السيطرة على الجنوب وإسقاط العاصمة لإخراج لبنان من دائرته وعمقه العربي.
أين الناصرية اليوم؟
في فلسفته السياسية التي صاغها في كتابه "فلسفة الثورة"، حدد جمال عبد الناصر ثلاث دوائر حيوية تشكل مجالاً استراتيجياً للأمن: الدائرة العربية حيث يرتبط مصير مصر والعرب عضوياً بحكم الجغرافيا والتاريخ، والدائرة الأفريقية التي تمثل العمق الاستراتيجي وضرورة التضامن مع شعوب القارة ضد الاستعمار، والدائرة الإسلامية التي تعبر عن الامتداد الروحي والثقافي الذي يمنح العرب ثقلاً سياسياً.
أما اليوم، فقد تراجعت الدائرة الأفريقية ليعاد رسم الخرائط المائية والأمنية في ملفات حيوية كأمن حوض النيل والقرن الأفريقي على حساب العرب، بينما تحولت الدائرة العربية إلى ساحة مستباحة تغيب عنها أدنى مقومات العمل المشترك.
تراجعت الناصرية من مشروع حكم فاعل إلى تيار رمزي؛ ففي مصر كُبح حضورها التنظيمي تحت وطأة القبضة الأمنية ليقتصر على نخبة معارضة ونقابية، مع بقاء مبادئ العدالة والسيادة حيةً في الوجدان الشعبي، أما عربياً فقد تراوحت الحركات الناصرية بين الاحتواء في السلطة أو التهميش في المعارضة.
لقد أثبت الواقع أن 'القومية العربية' لم تكن ترفاً أيديولوجياً، بل ضرورة أمنية ووجودية لحماية البقاء، وأن التفريط فيها هو ما ألقى بالمنطقة في قاع هذا التبعثر والارتهان، وفي خضم هذا التيه أجدني أفتش عن ناصرٍ جديد ليعيد إحياء الفكرة او يدفن معها.

