مهدي عقيل - خاصّ الأفضل نيوز
بعد مرور 59 يوماً على العدوان الإسرائيلي على غزة، قطعته هدنة لسبعة أيام، دون تحقيق أيّ من الأهداف التي وضعتها القيادة السياسية الإسرائيلية حتى الآن، باستثناء المزيد من المجازر والدمار.
وفي الوقت الذي لا يبدو فيه الهجوم المُركز على جنوب غزة أنه سيُغيّر في الأمر شيئًا، لا سيما لناحية القضاء على حركة "حماس"، ثمة خطة إسرائيلية عملانية تقضي بإنشاء "حزام أمني" من المفترض، حسب التقدير الإسرائيلي، أن يمنع الخطر، أو على الأقل، يمنح قوات الأمن الإسرائيلية الوقت الكافي للاستعداد لمواجهته.
بطبيعة الحال، ليس جديداً على إسرائيل بناء الأحزمة الأمنية، ففي جنوب لبنان أقامت حزاماً أمنياً مُحكماً في بداية الثمانينيات إثر انسحابها من مختلف الأراضي اللبنانية التي احتلتها في اجتياحَي 1978 و1982، واستعانت بمليشيا لبنانية رأسَها في بداية الأمر سعد حداد وخلفه أنطوان لحد.
تمكن العدو بواسطة هذا الحزام من إبعاد خطر المقاومة اللبنانية عن حدود الكيان بضعة كيلومترات. لكن على الرغم من ذلك، اضطر العدو تحت الضربات الموجعة للمقاومة إلى الانسحاب في أيار/مايو عام 2000.
وفي فلسطين المحتلة، برع الاحتلال في بناء الجدران منذ العام 2002، سواء في الضفة الغربية والقدس الشرقية أولاً، أو في قطاع غزة ثانياً، بعد انسحابه منه عام 2005. حيث كانت الاستراتيجية من وراء بناء إسرائيل للجدران العازلة في الأراضي المحتلة، تأمين الحماية لمستوطنيها وإبعاد خطر المقاومة الفلسطينية عنهم. حيث مثّلت تلك الجدران أحد تجليات السياسات الإسرائيلية الاحتلالية التوسعية الساعية للسيطرة على أكبر مساحة من الأرض وتطهيرها من الوجود الفلسطيني. ولكثرة الجدران التي بنتها إسرائيل صارت تُعرف ب"دولة الجدران".
واليوم، وبعد "طوفان الأقصى"، واجتياح كتائب القسّام لمنطقة غلاف غزة، وإحداث عشرات الثغرات في الجدار والسياج التقني المُجهز بأحدث تجهيزات المراقبة والرصد والتجسّس، توصلت إسرائيل إلى أن فكرة بناء الجدران العازلة غير كافية لدرء الأخطار، ولم يعد بوسعها إقناع سكان غلاف غزة بالعودة إلى منازلهم طالما "أعداؤهم" يجاورونهم الإقامة، ويفصل بينهما حائط إسمنتي لم يؤدِ الوظيفة المطلوبة منه في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، على رغم من أن ارتفاعه يزيد عن ثمانية أمتار وبعمق مماثل.
وعليه، سقطت فكرة جدار جيد تعني جيران جيديين، بحيث يعيشون في حالة فصل بينهما دون أن يؤثر أحدهم على الآخر. متناسون هؤلاء الإسرائيليين أو غاب عن ذهنهم بأنهم وضعوا الفلسطينيين في سجن أو قفص مغلق.
لذلك تسعى إسرائيل إلى اعتماد حزام أمني وفقاً لتقرير لوكالة "رويترز"، الذي يقول أن إسرائيل أبلغت عدداً من الدول العربية (الأردن ومصر والإمارات والسعودية) وتركيا بأنها تعتزم إقامة منطقة عازلة بين إسرائيل وقطاع غزة، بعد انتهاء الحرب. أي إقامة منطقة محايدة على امتداد الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة، بأعماق مختلفة، إذ يهدف نشر هذا الحزام إلى الحؤول دون تسلّل "المخربين" إلى إسرائيل، سواء على الأقدام، أو بالآليات.
وبهذا الصدد، يقول تسفي برئيل في "هآرتس"، "إن "الحزام الأمني" ليس اختراعاً جديداً في العالم، أو في الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، قامت تركيا بإنشاء حزام أمني يفصل بينها وبين سوريا، بالإضافة إلى السياج الذي تم إنشاؤه قبل أعوام بين البلدين، في حين قامت مصر بـ "تطهير" منطقة يبلغ عمقها نحو 3 كيلومترات، على طول الحدود بين قطاع غزة وسيناء".
بدوره، تسفي هاوزر في "ياسرائيل هيوم"، يدعو إلى تثبيت حزام أمني يسمح بعودة سكان الغلاف إلى بيوتهم. ويقول إنه "على إسرائيل أن تصر على تثبيت وحيازة ذاك الحزام في استيلاء قتالي لمدة نحو عشر سنوات". ويعتبر الكاتب أن "هذه فترة زمنية ستتيح قياس النوايا والقدرات للقوى الجديدة التي ستثبت حكمها في غزة".
ويحذّر زميله في نفس الصحيفة، إيال زيسر، من الانصياع إلى الإدارة الأميركية "التي تريدنا أن نخرج من شمال القطاع ونكتفي بعمليات خاصة موضعية ومحدودة ضد أهداف حماس".
ويختم برئيل مقاله بأن الحزام الأمني لن يحل المشكلة بالكامل، حتى في ظل سيناريو القضاء على حركة "حماس"، لناحية "توفير الأمن لمواطني إسرائيل الذي انتُزع منهم، من دون وجود تسويات أمنية متفّق عليها مع سلطة فلسطينية سيتعيّن قيامها في قطاع غزة، والتي قد تُحبِط عودة نمو تنظيمات تسعى للاشتباك المسلح".

