يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
في الوقت الذي تسطّر المقاومة الفلسطينية في غزة أروعَ الملاحم والبطولات وتستبسل في الدفاع عن كرامة الأمة وعنفوانها، وتتصدى للاحتلال بكل ثبات وعناد فتفجر آلياته العسكرية المحصّنة وتقتل وتجرح المئات من ضباطه وجنوده، وفي الوقت الذي تتزايد الجرائم الصهيونية وتُرتكب المجازر بحق المدنيين في شمال غزة وجنوبها، ومعظمهم من النساء والأطفال، فتعلو صيحاتهم مناشدين أبناء أمتهم العربية بالتدخل العاجل، إن لم يكن من أجل لجم العدوان فمن أجل مدّ يد العون وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، نرى ضعفاً منقطع النظير في الدورين السياسي والدبلوماسي العربيَّين، ولا مبرّرَ لهذا الضعف أبداً في أنظار المراقبين الأجانب الذين يناصرون القضية الفلسطينية، ولا مبرّرَ لعدم قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني أو التلويح بذلك على الأقل من الحكومات التي تورطت بالتطبيع معه، لا سيما بعد أن خاطبهم رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو عبر وسائل الإعلام بقوله : " إذا أردتم أن تحموا مصالحكم فعليكم أن تصمتوا ".
نعم إن قوى المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق تُبلي بلاءً حسناً وتؤدي واجبَها على أكملِ وجهٍ، ما يدعو كلَّ حرٍ عربي وكل مسلم ومؤمن من أحرار العالم، وكل الرافضين للذل والعبودية إلى الفخر بإنجازاتهم والرهان على صدقهم والتزامهم وعزمهم وثباتهم في مواجهة العدوان الصهيوني المدعوم من قوى الاستعمار التقليدي كأمريكا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا، ولكن غياب الأفق السياسي للمعركة المشرفة العظيمة بكل المقاييس وضعف الدور الدبلوماسي العربي، وعدم استثمار الإنجازات العسكرية في ميدان القتال لغايات وأهداف كبرى مردُّه إلى ضعف السياسيينَ العرب وعدم قدرتهم على الفعل أو الارتقاء إلى مستوى الحدث، وكل هذا لا يشين المقاومين الأبطال ولا يدين نهجَ المقاومة والشهداء، وإنما يشين ويدين كثيراً من السياسيين العرب والمسلمين ولا سيما أصدقاء أمريكا وإسرائيل والذين لا وزن لهم ولا قيمة، هذا إن لم يكن بعضهم أكثر عداءً من إسرائيل لقوى المقاومة والتحرّر والتحرير في المنطقة العربية..
فنحن لسنا في زمن العمالقة في عالم السياسة والدبلوماسية، ولعل غياب الدور السياسي العربي في استثمار إنجازات الميادين القتالية، أو المطالبة على الأقل بتطبيق قرارات الشرعية الدولية ومنها القرار ٢٤٢ القاضي بإقامة دولة فلسطينية على الأرض التي احتلتها إسرائيل في الخامس من حزيران ١٩٦٧، لعل هذا الغياب يوازي بالأهمية ذاتها تلك الجرائمَ والمجازر التي تُرتكبُ بحق أهلنا في غز ةَ هاشم، لا بل إنه لا يترجم ولا يسمى إلا خذلاناً عربياً إذا أردنا تهذيب العبارة.
نعم إن الصّمتَ على العدوان هو عدوانٌ آخر وقد يكون أكثرَ إيلاماً لأهلنا المحاصرين في غزة والضفة وفي كل فلسطين، وإذا انتفضت شعوب الأرض قاطبةً لتدين الإجرام الأمريكي الصهيوني، ونظمت التظاهرات ورفعت أعلام فلسطين وتعاطفت مع جراح أهلها، وأعلنت الإضراب الشامل وهاجمت المعتدين من منطلق إنساني بحت، لا من منطلق وطني فلسطيني أو قومي عربي أو ديني إسلامي، فلا يكفي أن نتحدثَ عن ضعف في دور السياسيين العرب وإنما يشمل الأمر ضعف الجماهير العربية والتي تفاعلت مع مونديال قطر مثلاً أكثر من تفاعلها مع أطفال غزة المظلومين الشهداء. ولا ننكر تظاهرات الغضب المليونية التي انطلقت في يمن العزة والكرامة أو في دمشق والجزائر وعمان وبيروت وطهران، أو في غير بلد عربي، ولكن أكثر العواصم ظلت تحركات الجماهير فيها خجولةً لا ترتقي إلى مستوى الحدث العظيم في السابع من أكتوبر تأييداً لطوفان الأقصى، أو بعد ذلك تنديداً بالجرائم الموصوفة بحق المدنيين العزّل....
فهل يرتقي الخطاب السياسي العربي، والتحركات الدبلوماسية والجماهيرية العربية، ليصل إلى مستوى البطولات والتضحيات في غزة؟

