مهدي عقيل- خاصّ الأفضل نيوز
قبل 7 أكتوبر لم يكن الكيان على ما يرام، كان الانقسام العامودي والأفقي على أشدّه عند شروع حكومة اليمين المتشدّد بورشة "الإصلاحات القضائية"، وأتى "طوفان الأقصى" ليغطي على هذا الانقسام مؤقتاً بعدما توحّد الإسرائيليون في حربهم ضد "حماس"، لكنّه أدخل إسرائيل في أزمة أعمق وأخطر قد لا تخرج منها أبداً.
كثيرة تداعيات "طوفان الأقصى" وما سبقه على الكيان، لكن الأخطر فيها أن إسرائيل لم تعد مكاناً يجذب يهود العالم إليه، وبات من الصعوبة بمكان على المؤسسات والوكالات اليهودية النشطة في الخارج، والمختصة في استجلاب اليهود من كل أصقاع المعمورة إلى "الوطن الموعود". فكل عناصر الجذب إمّا انعدمت كليّاً أو باتت قليلة الفاعلية والتأثير ربطاً بما أصابها من وهن، ويمكن إيجازها بأربعة عناصر.
1- طالما شغل عنصر الأمن والأمان مراكز صنع وتقدير القرار في إسرائيل، على اعتبار أن أي مسّ بأمن الكيان يشكل تهديد وجودي، لذلك سخّرت القيادة السياسية والعسكرية كل قواها وطاقاتها منذ نشأة الكيان عام 1949، لتعزيز الأجهزة العسكرية والأمنية، كونها هي الضمانة لتحقيق الأمن والاستقرار، حيث تمّ تسليح الجيش بأحدث أنواع الأسلحة والأكثر فتكاً، بل أكثر من ذلك، اشترطت إسرائيل على الإنكليز (صانعي الكيان) ومن ثم على الأمريكان، بأن يبقى جيشها متفوق ومتقدم على كافة جيوش المنطقة.
ولم يكتفِ الإسرائيليون عند هذا الحد، بل من اللحظات الأولى لإعلان "دولة" إسرائيل، والاعتراف بها في الأمم المتحدة، كان رئيس وزرائها ديفيد بن غوريون يُنسّق مع الفرنسيين لإنشاء مفاعل ديمونا، وكان له ما أراد بعد سنوات معدودة.
هذا فضلاً عن إنشاء واحد من أقوى الأجهزة الأمنية والاستخبارية في العالم، وهو المعروف ب"الموساد"، وأصبح مدرسة في المجال الأمني، لدرجة أنه هو من ساهم في تدريب جهاز "السافاك" في إيران عام 1956. حيث أن الشاه محمد رضا بهلوي اصطفاه من بين كل الأجهزة الأمنية في العالم، حتى الأميركية منها، إذ أنه رفض أن يتدرب جهازه على أيّدي ضبّاط السي أي أيه، ظناًّ منه أن الموساد هو الأقوى، وربما كان على حق، إذ تمكن الشاه بواسطة الموساد من إعداد جهاز أمني يُتقن القتل والإجرام والأعمال الدنيئة بحق شعبه بفاعلية وبامتياز.
لكن هذا كلّه، وبعد تطور عمل المقاومات وحرب العصابات، لم يُمكّن الكيان من حفظ أمن مستوطنيه. فلطالما كان يحارب العدو خارج "أرضه"، لكن بعد سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة عام 2006، وخوضها ونظيراتها من الفصائل المقاومة حروب متتالية مع العدو، باتت تلك الحروب تدور رحاها على مسرح الكيان. ولم يعد ثمة مكاناً آمناً على طول وعرض خريطة فلسطين التاريخية.
وعليه، فقدت إسرائيل أحد أهم عناصر جذب يهود العالم إليها، وربما بات من الصعوبة بمكان إقناع أي يهودي في العالم، لا سيما في الدول الغربية التي تنعم بالأمن والأمان، بالهجرة إلى فلسطين. إذ كانت وكالات الاستجلاب اليهودية تُغري يهود الغرب (الاشكناز) بالإقامة في وسط الكيان بعيداً عن الأطراف على اعتبارها أكثر أمناً.
2- البحبوحة التي كانت تنعم بها إسرائيل والإمكانيات الهائلة التي تمكنها من إغراء اليهود للهجرة إلى فلسطين لم تعد متوفرة، ولم يعد بوسع الغرب الداعم لها تأمين حياة رفاهية لمستوطنيها، فتقديم وحدّات سكنية ومِنح وقروض مالية بصفر فائدة أمست من الماضي، في ظل الأزمة المالية التي تمرّ بها كل دول العالم. بحيث أن دول الغرب لم تعد تملك من الرفاه حتى تؤمنه لمستوطني إسرائيل.
أضف إلى ذلك، أن لدى إسرائيل مصاريف هائلة على المجهود الحربي، سواء خلال "طوفان الأقصى" أو قبله، ويذهب جزء يسير من موازنتها لدعم جماعة الحريديم (اليهود الأرثوذكس المتزمتون دينياً، وتحديداً يهود شرق أوروبا الذين يمتازون بإطلاق لحاهم وتتدلى على آذانهم خصلات من الشعر) غير المنتجين، والذين يشكلون عالة على إسرائيل، ووصفهم أحد كتبة الأعمدة في الصحافة الإسرائيلية، ذات مرّة، بأنهم القنبلة النووية التي قد تنفجر عام 2050، نتيجة زيادة الولادات لديهم، وقد يشكلون حينها غالبية الشعب الإسرائيلي.
3- قبل 7 أكتوبر، نشأت أزمة جديدة في الكيان لم تكن في الحسبان، هزّت أعمدة النظام الديمقراطي أو الليبرالي كما يزعمون في إسرائيل، نتيجة إصرار حكومة اليمين المُتشدد على تقليص صلاحيات المحكمة العليا، وتعزيز صلاحيات الحكومة، بحيث لم يعد بمقدور تلك المحكمة الحكم على أعمال الحكومة وما يصدر عنها من قرارات ومراسيم، وتصنيفها ضمن المعقولية أو اللامعقولية. وعليه، أمست الحكومة ومعها الكنيست أيضاً، متفلتَين إلى حد بعيد من سطوة المحكمة المذكورة التي يعوّل عليها كثيراً في انتظام عمل المؤسسات والحفاظ على طبيعة النظام في ظل غياب دستور مدون.
هذا النظام الديمقراطي هو عنصر جذب رئيسي ليهود الأشكناز تحديداً، والذين وُعدوا بأنهم آتون إلى "دولة" تشكل "واحة ديمقراطية بين محيط من الدكتاتوريات". وإذا ما استمرت حكومة بنيامين نتنياهو بمشروعها الذي أسمته "إصلاحات قضائية" تكون إسرائيل قد فقدت أحد عناصر جذب اليهود للهجرة إلى فلسطين.
4- أما العنصر الرابع والأخير المتعلق بالسردية الصهيونية المفبركة عن فلسطين، لم تعد محط اهتمام لدى السواد الأعظم من اليهود، خصوصاً بعد تكذيب هذه السردية من مؤرّخين يهود ذمّوا بأسلافهم "المؤرّخين اليهود القدماء"، حيث يُطلق المؤرّخ اليهودي العراقي البريطاني آفي شلايم تسمية المؤرّخين "القدماء" على هؤلاء الذين قدّموا "الرؤية الصهيونية التقليدية" ولعبوا دوراً فعّالاً في تزوير الحقائق وكتابة التاريخ من منظور عسكري واستعماري يبرّر قيام الدولة اليهودية. وحين أتى المؤرّخون الجدد أمثال إيلان بابيه وبيني موريس، أضافوا نظرةً جديدةً إلى قراءة تاريخ الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
وفي محاضرة ألقاها في نهاية تشرين الأول أكتوبر الماضي، اعتبر بابيه أنّ أكبر التحديات التي يواجهها المناضلون اليوم عقود من البروباغندا والتلفيقات والسرديات المضادة التي رسمت صورة خاطئة عن فلسطين تشكّلت بمؤازرة الأوساط الأكاديمية والإعلام وهوليوود والمسلسلات التلفزيونية.
برأيه، المطلوب اليوم إرفاق العدالة بالمعرفة التاريخية العميقة و"تحليل عميق ودقيق للواقع باستخدام اللغة الصحيحة".

