د.علي دربج - خاص الأفضل نيوز
مع كل ازمة مالية تعصف بالولايات المتحدة الامريكية، تلجأ واشنطن كعادتها الى أساليب القرصنة والسطو على مقدرات وثروات الدول، لاعادة تعبئة خزائنها المالية، بهدف تحقيق الرفاه الداخلي لمواطنيها على حساب الشعوب والأمم الاخرى، فضلا عن تمويل غزواتها ومخططاتها وحروبها بالوكالة كما تفعل حاليا في كل من غزة وقبلها أوكرانيا.
ولهذه الغاية بدأت إدارة الرئيس جو بايدن أخيراً ــــ وبعد جدل طويل مع الكونغرس الامريكي ــــ بالتحضير لسرقة الأصول الروسية المجمدة في المصارف الخارجية، مستخدمة قضية دفع تكاليف إعادة إعمار أوكرانيا، كتبرير لهذه الخطوة التي طرحها المشرعون باعتبارها أفضل وسيلة لحمل موسكو على تعويض كييف عن الضرر الذي ألحقه بها الرئيس فلاديمير بوتين.
وكيف نشأت فكرة السطوّ على الأموال الروسية؟
في الحقيقة، بقي هذا الاقتراح المثير للجدل والمعقد إلى حد ما، لفترة طويلة في طي النسيان السياسي، على الرغم من دعم الحزبين في الكونغرس له. فلأكثر من عام، قاومت إدارة بايدن جهدا من الحزبين لتمرير تشريع من شأنه أن يمنح الرئيس الامريكي، سلطة الاستيلاء على الأصول السيادية الروسية المجمدة حاليا في البنوك الأمريكية ومنحها لأوكرانيا.
لكن مع دخول بايدن في معارك شاقة، مع الجمهوريين بعد معارضتهم لتقديم المزيد من الدعم لاوكرانيا، وجدّ البيت الابيض ان هناك حاجة ملحة جديدة للتحرك بسرعة، انطلاقا من ان دعمه الكامل للمبادرة، يمكن أن يكون أيضًا وسيلة لحمل الجمهوريين على الموافقة على المساعدات العسكرية الأوكرانية التي ستنقذ كييف من مأزقها مع روسيا، وفقا للمسؤولين الأمريكيين.
وبناء على ذلك، صوتت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بأغلبية 40 صوتًا مقابل صوتين، على نسختها من قانون إعادة بناء الرخاء الاقتصادي والفرص للأوكرانيين المعروف (بقانون الريبو).
وتعقيبا على ذلك، قال رئيس مجلس النواب مايك جونسون (الجمهوري عن ولاية لوس أنجلوس) الشهر الفائت إن "التشريع يمكن أن يساعده في إقناع الجمهوريين في مجلس النواب بالتصويت لصالح طلب الميزانية التكميلية الطارئة الذي تقدمت به ادارة بايدن، وهو يتضمن حوالي 60 مليار دولار لأوكرانيا في صورة مساعدات عسكرية واقتصادية وإنسانية.
وإذا لم يكتف جونسون بذلك، بل تباهي ب"تمويل المجهود الحربي الأوكراني بأصول روسية". واضاف كما "يمكنك أن تتخيل، فقد قوبلت هذه الفكرة بحماس كبير على الجانب الجمهوري".
وهل يفك (قانون الريبو) ازمة أوكرانيا العسكرية المتفاقمة؟
في الحقيقة، ان تبجح جونسون باقرار هذا القانون، يمكن وصفه بأنه تلاعب بالواقع. إذ إن ال 300 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة في البنوك الأمريكية والأوروبية لن تمنح لأوكرانيا على الفور. بل سوف تستخدم كما هو مقرر امريكيًا، لتمويل إعادة الإعمار في السنوات المقبلة. لذلك، فإن تمرير هذا القانون لن يحل محل حاجة الكونغرس أيضا للموافقة على المساعدات العسكرية لأوكرانيا في أقرب وقت ممكن.
ومع ذلك، يمكن أن يوفر هذا القرار، غطاءً سياسيًا للجمهوريين الذين يرغبون في دعم أوكرانيا ولكنهم يخشون ردود الفعل العنيفة من جانب حركة MAGA (أي اجعل امريكا عظمية مرة اخرى) في الحزب الجمهوري، الذي يريد العديد من اعضائه التصويت لصالح مساعدات أوكرانيا، لكنهم خائفون من قاعدتهم الانتخابية.
وتبعا لذك، قال عضو الكونجرس السابق توم مالينوفسكي (ديمقراطي من نيوجيرسي)، وهو أحد القادة الأوائل لهذه الجهود: "إذا تمكنوا من القول إننا نجعل بوتين يدفع تكاليف إعادة بناء أوكرانيا، فسيكون من الأسهل عليهم التصويت بنعم". وأضاف "بما أن مصير العالم الحرّ، يعتمد على الحصول على كل الأصوات الأخيرة لصالح الملحق، فإنني آمل ألا تجعل الإدارة الكمال عدوا للخير".
وماذا عن العقبات التي تواجه امريكا للحصول على الاموال الروسية؟
عمليا، هناك مخاوف داخل وزارتي الخزانة والخارجية بشأن الاستيلاء على الأصول السيادية الأجنبية، حتى في ظل هذه الظروف. وما يزيد الطين بلة بالنسبة لواشنطن، أن حوالي 2% فقط من هذه الأموال، موجودة داخل الولايات المتحدة بحسب المسؤولين الأمريكيين. فيما معظم الأصول الروسية المجمدة موجودة في بنوك بلجيكا أو سويسرا.
علاوة على ذلك هناك، عقبة اخرى، تتمثل بأن هناك مقاومة في أوروبا، خصوصا في برلين، حول ما إذا كانت هذه الخطوة مبررة بموجب القانون الدولي، او انها قد تؤدي إلى تقويض الثقة بعملة اليورو. لذا تركز إدارة بايدن جهودها الدبلوماسية على مجموعة السبع، حيث دعت دولها، التوصل إلى طريقة للمضي قدمًا بهذه القضية، بحلول نهاية فبراير/ شباط المقبل. كما ان هناك إحباط بين مؤيدي "قانون الريبو" في الكونغرس، بسبب الاعتراضات الأوروبية والتصور بأن البيت الأبيض كان يماطل.
وتعليقا على الموقف الاوروبي قال أحد كبار مساعدي الحزب الجمهوري في الكونجرس: "مرة أخرى، تتجادل أوروبا مع نفسها، وانقساماتها بشأن هذه القضية لا تساعد إلا روسيا، التي صادرت بالفعل شركات أوروبية". وتابع "المنطق السليم يفرض على روسيا أن تدفع ثمن الضرر الذي ألحقته بأوكرانيا".
وما كان الردّ الروسي على الخطوات الامريكية؟
من سخرية القدر أن الغرب يجد دائما ذرائع وحجج، لشرعنة سرقاته لثروات الدول. وفي حالة موسكو، لا يعتبر الغرب انه يأخذ أموالها، بل يستخدمها كدفعة أولى للوفاء بالتزامات روسيا الدولية المستقبلية تجاه أوكرانيا. وردا على ذلك، حذرت الحكومة الروسية من أن هذا الإجراء سيواجه انتقاما شديدا.
لكن مهلا، تخبرنا التجارب والشواهد الحديثة لاسيما خلال الازمة الاوكرانية، ان التهديدات الروسية لم تخرج يوما، عن كونها كلام اعلامي استهلاكي لا يقدم ولا يغير شيئا، والدليل انه عندما جمدت البنوك الأمريكية والأوروبية الأموال العام الماضي، وجهت موسكو تهديدات مماثلة ولم يحدث شيء. وبالمثل، حذر الكثيرون من أن تجميد الأصول من شأنه أن يقوض الثقة بالدولار الأمريكي، وهذا أيضاً لم يحدث
وفي المحصلة، يقرّ مسؤولو الإدارة الامريكية أنه بدون موافقة أوروبية، لن تنجح الخطة، غير ان الاكثر خطورة، هو ان تمرير قانون إعادة الشراء يظهر جديةّ الولايات المتحدة بالذهاب بعيدا في خطواتها لتنال مرادها، والاهم انه قد يدفع الحلفاء الى التخلي عن تحفظاتهم، وبالتالي الرضوخ والسير بمخططات واشنطن، وهذا السيناريو الاقرب، كونه كتم تنفيذه في قضية مصادرة الامول الايرانية والفنزويلية والليبية والكثير الكثير من الدول.

