مهدي عقيل- خاص الأفضل نيوز
كلما زاد منسوب التصعيد على الجبهة الشمالية، وما يرافقها من تهديدات إسرائيلية، زاد منسوب احتمال اتساع رقعة الحرب حسب الكثير من التحليلات، لكن يبقى الغالب من اليوم الأول لعملية 7 تشرين الأول/أكتوبر، هو أنه لا حرب إقليمية في الأفق طالما رأسي طرفي الصراع (أميركا وإيران) لا يريدانها.
الكل يعرف بأنه لم يسبق لرئيس أميركي أن زار اسرائيل وهي في خضم الحرب سواء في حرب الأيام الستة أو حرب يوم الغفران أو حروبها على لبنان، لكن معركة "طوفان الأقصى" مغايرة لكل ما سبق. وعليه، سارع الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى زيارة الكيان قبل أن يمضي أسبوعان على عملية "طوفان الأقصى"، وقبل أسبوع من البدء بالهجوم البري، وهدفت الزيارة إلى أمرين لا ثالث لهما، دعم إسرائيل ومنع حصول حرب إقليمية.
والسؤال هنا، لماذا الولايات المتحدة حريصة على عدم اتساع رقعة الحرب؟
قبل الرد على هذا السؤال، لا بدّ من أن نعود إلى ما كان يجري من سياسات ومشاريع في الإقليم قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، بحيث أنجزت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، "اتفاقات إبراهام" عام 2020، والتي أسفرت عن تطبيع علاقات إسرائيل بأربع دول عربية (الإمارات، البحرين، السودان والمغرب)، فيما ظلّت السعودية عصيّة على ذلك، وتولّت مهمتها إدارة بايدن متأخرة نتيجة تردي العلاقة الشخصية بين الرئيس الأمريكي وولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان.
لكن مؤخراً، وقبل بضعة أشهر من عملية الطوفان، كانت الأمور تسير نحو إنجاز التطبيع بالتزامن مع إعلان إنشاء الممر الهندي-الأوروبي في قمة G20 في نيودلهي، الذي يبدأ بخط بحري من الهند إلى الإمارات، ومنها براً إلى السعودية فالأردن وصولاً إلى ميناء حيفا، ومن الأخير بحراً نحو اليونان.
وسبق ذلك الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، والذي رام من خلاله الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، إلى تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط والتفرغ لصراع الولايات المتحدة الاستراتيجي مع الصين وبدرجة أقل مع روسيا الاتحادية.
وبطبيعة الحال، الرئيس بايدن الذي كان يُشغل منصب نائب الرئيس آنذاك ومتبنِ لسياسة أوباما بشكل أو بآخر، لكن وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض (2017-2021) حال أو أخّر الاستدارة الأمريكية نحو المحيط الباسيفيكي.
وثمة مخطط أميركي كان يقضي بوضع 60% من أسطول الولايات المتحدة البحري في المحيط الباسيفيكي بحلول عام 2020، كما كانت ميزانية الدفاع الأمريكية حريصة على الحفاظ على، بل وتعزيز، الاستثمار في الأصول الجديدة والأكثر قدرة المطلوبة في المسرح الباسيفيكي.
اليوم، ومع اقتراب الحرب الأوكرانية من إتمام عامها الثاني، وتقدم ملحوظ للجيش الروسي، وفي ظل الطوفان الإسرائيلي المجنون، صار لزاماً على الولايات المتحدة، أكثر من أي وقت مضى، العمل على إعادة الشرق الأوسط إلى هدوئه الذي كان سائداً قبل 7 أكتوبر. فليس بوارد أميركا قيادة حربين معاً في الوقت الذي يعاني الإنتاج العسكري الأميركي للذخائر حتى الآن من مصاعب لجهة القدرة على تلبية طلبات إسرائيل وأوكرانيا، وبالتالي سيواجه مصاعب أكبر إذا وقعت حرب مع لبنان، أو إذا امتدت إلى الإقليم بكليته.
أمريكا بالغنى عن استنزاف قواها العسكرية والاقتصادية في حرب لن تزيد من نفوذها، بل ستضيف أزمة جديدة مساعدة ومسرّعة لولادة عالم متعدد الأقطاب، وسوف تمنح تلك الحرب المزعومة فرصة لا تقدر بثمن للتنين الصيني، وتزيد من حزمه وإصراره على الصعود إلى قمة الجبل.
وعدا عن هذا وذاك، ليس ثمة مشروعاً أميركياً مرسوماً للمنطقة، بخلاف الوضع الذي كان سائداً في حرب تموز 2006، والتي خاضتها إسرائيل بأمر أمريكي، وبهدف خلق شرق أوسط جديد.
هذا فيما خص الولايات المتحدة، وسوف نخصص الجزء الثاني من المقال للوقوف على الأسباب الإيرانية المانعة والرافضة لتوسيع رقعة الحرب، وكيف تدير أو ترقب الجمهورية الإسلامية على الأقل، خمس جبهات في مواجهة واحتواء الجنون الإسرائيلي؟

