مهدي عقيل-خاص "الأفضل نيوز"
نظرية "الواقعية السياسية" هي التي تحكم العلاقات الدولية منذ أن انتهى العالم من الحرب العالمية الأولى عام 1918 في أقل تقدير، وما زالت الولايات المتحدة مصرّة على تطبيقها فيما خصّ القضية الفلسطينية رغم المتغير الاستراتيجي الذي حصل في 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وهي ماضية في تنفيذ استراتيجيتها التي كانت قبل هذا التاريخ، والقاضية بتبريد واحتواء المشاكل والصراعات في المنطقة، وتشكيل طوق أمان واطمئنان لإسرائيل من خلال الاستمرار في مسار التطبيع وفك عزلتها عن محيطها بصورة جذرية ونهائية.
وإذا ما عدنا إلى نظرية "الواقعية السياسية" التي تؤكد على الأخذ بما هو كائن بالفعل وليس بما يجب أن يكون، فعلى الإدارة الأميركية أن تنظر بموضوعية وتقبل بما تكوّن في الواقع على أرض فلسطين بعد "عملية طوفان الأقصى"، ومن ثم تبني على الشيء مقتضاه.
فما كانت تعنيه "الواقعية السياسية" فعليًّا قبيل عملية الطوفان، هو بالضبط عكْس ما باتت تعنيه بُعَيدها، أي مع الانتقال من نطاق إدماج إسرائيل في الإقليم، اقتصاديًّا وسياسيًّا، إلى نطاق إخراجِها منه، تحت وطأة الضربات التي تلقّتها من المقاومة. هذا الأمر لم يكُن ممكناً، من دون إجبار الدول التي كانت تقود مسار التطبيع الاقتصادي مع الدولة الصهيونية، إن لم يكُن على عكْس هذا المسار، تماماً، فعلى الأقلّ إيقافه مؤقّتاً، أو إضافة أشياء جوهرية عليه لصالح الشعب الفلسطيني وقضيته التاريخية.
ويقول أستاذ القانون الدولي، المصري، محمد سعيد إدريس في هذا المجال، في مقال له في جريدة "الأهرام"، إن "من أهم المنجزات التي تحققت بفضل هجوم "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023 أن ما كان يروّج له اللوبي الأمريكي- الإسرائيلي في مصر وفى عالمنا العربي تحت اسم "السياسة الواقعية" ذهب إلى غير رجعة". ويضيف "كان أنصار دعوة "الواقعية السياسية" يسخرون، من أي رأي منحاز إلى "خيار المقاومة" ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي، ويتمسك بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وبالذات حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي احتلت عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وحق العودة لكل اللاجئين".
لقد أظهرت عملية "طوفان الأقصى" نجاعة خيار المقاومة ودحضت المقاومة السلمية التي لم ينفك رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، يطالب بها ويدعو إلى اعتمادها رغم كمِّ الإخفاقات الذي رافقها من اتفاق أوسلو عام 1993 حتى اليوم.
ثمة متغيرات حصلت، لا بدّ من أخذها بالحسبان، وعلى عاتق المقاومة الفلسطينية أن تُجبر الإسرائيلي ومَن وراءه إلى السير في الجادة الجديدة التي تعكس تلك المتغيرات. حسناً تفعل حركة "حماس" في عدم إذعانها لمطالب وشروط صفقة الأسرى المرتقبة من ضمن اتفاق الهدنة أو اتفاق وقف إطلاق النار، وتأكيد الناطق العسكري باسم "كتائب عز الدين القسّام"، "أبو عبيدة"، بأنه مهما كان عدد الأسرى الموجودين بحوزة المقاومة، خمسة.. عشرة.. أحياء أم أموات، فهذا لا يغيّر في إصرار "حماس" على تبييض السجون، أو إطلاق سراح العدد الأكبر منهم.
ما قبل 7 أكتوبر ليس كما بعده، على الرغم من حجم القتل والدمار في غزة، فإن محاولة كيِّ الوعي الفلسطيني لن تنجح، وتاريخ الشعب الفلسطيني يشهد على ما نقول. إنما ذلك سوف يزيد المقاومة إصراراً على تكملة المسير، والشعب الفلسطيني بات اليوم برمته، من غزة إلى الضفة والقدس الشرقية وعرب 48، إضافة إلى فلسطينيي الشتات، يقف صفاً واحداً خلف المقاومة.
فمن منظار "الواقعية السياسية" أو "السياسة الواقعية"، على أميركا والغرب الأخذ بالوقائع لا بالأوهام ولا بالأهداف المرسومة سلفاً، حرب غزة فرضت واقعاً جديداً على الكيان العبري وعلى كل السياسات التي كانت مرسومة للمنطقة، وقد أعادت إحياء القضية الفلسطينية ومبدأ "حل الدولتين" الذي تعود جذوره إلى عام 1937، ورغم استحالة تطبيقه مع توجه يمين إسرائيلي متطرف لبناء دولة يهودية تلمودية خالصة، لكن تداعيات حرب غزة على الكيان وضعته عند مفترق طرق، إما القبول بـ"حل الدولتين" وإما اضطراب دائم وحرب مستمرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

