علي قطايا -خاصّ الأفضل نيوز
لا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بين الفيتو الأميركي مؤخرا في مجلس الأمن على مشروع القرار الذي تقدّمت فيه الجزائر لوقف إطلاق النار و إطلاق سراح الرهائن و بين التصوّر الأمريكي لإنهاء الأمور و إطفاء وميض المدافع.
فهي لا بدّ أنها تريد الخروج من المستنقع الشّرق أوسطي و المضي نحو شرق آسيا ، إلا أنها تحرص كلّ الحرص على أن يكون شكل النّهاية متماهيا مع رؤيتها للتوازنات العالمية، و عليه ليس مستهجنا أن يُقابل أي مشروع قرار مماثل في المستقبل القريب برفض أميركيٍّ قاطعٍ و إن كان ذلك يسهم بشكل أو بآخر بتشويه صورتها الإنسانية المشوّهة أساسا في الساحة العالمية.
و لكنّ السؤال هنا يبقى، كيف ترى أمريكا شكل النهاية؟؟
لا تنفكّ الولايات المتّحدة و منذ اندلاع الحرب في تشرين الماضي إلى الإشارة لعدم رغبتها في المضي نحو حرب إقليمية موسعة مجهولة المصير و الخاتمة، فالجميع يبدأ الحروب لكن أحدا لا يعرف نهايتها. تزامنا و المنافسة الشرسة على ريادة العالم مع الصين. لكن تصوّرات "اليوم التالي" التي سُوّقت في بدايات الحرب أمريكيا كانت مرتفعة الآمال حدّ الغباء بهزيمة "حماس"و سائر الفصائل في قطاع غزّة و القضاء عليها أبديّا بعد حفلة الأوهام التي أغراهم نتينياهو بها للمضي في حربه الشعواء والتي صاغت الولايات المتحدة الأميركية كل سيناريوهات النهاية على أساسها.
بدءاً بالحديث إعلاميا بأسماء فلسطينية مثل "محمد دحلان" صاحب التوجّهات و الولاءات المعروفة في أروقة السياسة الفلسطينية في بداية الحرب كشخصيّة مخوّلة قادرة على استلام الإدارة في القطاع ، مروراً بمحاولات لإخضاع القطاع لإدارة عربية إقليمية و التي قوبلت بالرّفض بشكل قاطع عن لسان وزير خارجية الأردن بتصريح له في النّسخة التاسعة عشرة لمنتدى حوار المنامة بقوله "لن تدخل أي قوّات عربية إلى قطاع غزة بعد انتهاء الحرب.."
كل هذه السيناريوهات التي تتشارك قاسما مشتركا واحدا و هو أنها مبنية أساسا على الوهم بالقضاء الكلي على حركة حماس سقطت أمام الصمود البطولي و القتال الفعّال المستمر حتى اللحظة لمقاتلي الحركة، ليس الميدان وحده من يثبت ذلك بل إن التقارير الإعلامية الغربية تنشر تواليا لإثبات ذلك .
لم يكن تقرير نيويورك تايمز الذي يتحدث "عن تقديرات بوجود 5000 آلاف مسلح من حماس لا يزالون نشطين في شمال غزة" آخرها، بل زادت عليه تقارير أخرى و تصريحات لمسؤوولين إسرائيليين سابقين أو حاليين تفيد ببقاء ما يزيد عن 80% من أنفاق حماس دون ضرر يذكر ، ليظهر بذلك هول الفشل الإسرائيلي الذريع بتحقيق أي نصر يُذكر سوى مهرجان العثور على حذاء السنوار.
أمام صفعات المقاومة المتتالية هذه، عادت الإدارة الأميركية إلى حيز الواقع بعد هذيانها في الأشهر الماضية بسرديات النصر الإسرائيلي الواهية. و تخرج بتصور نهائي أكثر ملامسة لحقائق الميدان لشكل اليوم التالي لملحمة غزة وفق الاستراتيجية الجديدة تجاه الشرق الأوسط المسماة بـ"عقيدة بايدن" و التي تحدّث عنها الصحفي المقرّب من دوائر القرار الأمريكية "توماس فريدمان" في إحدى مقالاته مفصّلا مساراتها الثلاثة الرئيسية، متحدّثا عن المسار الثالث الذي يهدف حسب فريدمان للمضي بحل الدولتين و إنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح في الضفة و القطاع.
التطبيق العملي لما أدلى به فريدمان بدأ فعلا حسب ما يشير المتخصصون بإخراج الصراع من حيّزه الحالي بين إسرائيل و الفلسطينيين عموما و غزة خصوصا إلى دائرة الإقليمية تكون فيها الدول العربية الحليفة للولايات المتذحدة الأمريكية بشكل عام و المملكة العربية السعودية بشكل خاص فاعلة في تطبيق آليات الرّؤية وفق "عقيدة بايدن".
و ليس تصريح البيت الأبيض منذ يومين عن "إيمان الرئيس بايدن بحل الدولتين" إلا إشارة فعلية للسير وفق الاستراتيجية الجديدة كما يؤكد المراقبون . ليرافق التصريحات الأميركية المكثفة في الفترة الأخيرة عن حل الدولتين مع تصريح وزير خارجية المملكة العربية السعودية فيصل بن فرحان لشبكة سي ان ان "أنه لن يكون هناك تطبيع بين المملكة و إسرائيل بدون مسار واضح و موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية".
بين هذا و ذاك تأكيد صريح بأن الولايات المتحدة الأميركية قد حدّدت الطريقة التي ستنهي الحرب بحيث يكون الثمن مثبولا إسرائيليا بتطبيع المملكة العربية السعودية مقابل وقف إطلاق النّار و إنهاء الحرب في الوقت نفسه تعتقد الإدارة الأميركية انها تستطيع ضرب عصفورين بحجر واحد. أولا تؤمن الولايات المتحدة الاميركية بذلك مخرجا آمنا للسعودية لتمرير التطبيع و الإيحاء بأن التطبيع السعودي لم يكن إلا خدمة للقضية الفلسطينية و السبب في انتهاء المجازر بحق السكان بغزة. ثانيا يستطيع "بايدن" بذلك تسويق التطبيع على كل إنجاز داخليا ربطا بالحسابات الانتخابية التي باتت قريبة.
قد تتمكّن الإدارة الأميركية بنهجها هذا للوصول لمرحلة وقف إطلاق النار، لكنّ هذه الرّؤية لا تزال مهددة بالسقوط و الفشل بفعل عوامل كثيرة، اولا الرفض الإسرائيلي المستمر لفمرة الاعتراف الأميركي بدولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال. ثانيا بما أن التقارير الإعلامية جميعها بما في ذلك الإسرائيلية منها تقر و تعترف بأن القضاء على حماس لا يتعدّى كونه احلام يقظة بعيدة المنال و أن الحركة لا تزال قوية عسكريا و تنظيميا يضاف إلى ذلك أن القطاع دفع لقاء هذا الصمود المذهل فاتورة بشرية هائلة فلِمَ سترضى فصائل المقاومة بحكومة منزوعة السلاح؟ و هل سيخدم ذلك أهدافها الاستراتيجية المعلنة بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر؟
نظريا، قد ترضى حماس بتقاسم الإدارة في مع شخصيات مقبولة غربيا و هذا ليس راجعا بل استنساخا لتجربة حزب الله في لبنان في تقاسمه الحكم في لبنان مع أطراف تتخالف معه عقائديا بجوهر فكره وهي طريقة كانت فعالة إلى حد كبير للهروب من تحميله عبء المسؤولية منفردا و محاصرته على صعيد الحكومة و الدولة فيما بعد. لكن المسلّم به أن حماس بعد 5 أشهر من الحرب الضروس و الأثمان الباهظة التي دفعتها لن ترضى أبدا بأن تختزل من الحكم أو أن تحكم في ظلّ دولة منزوعة السّلاح.
و عليه و أخيرا أمام ضغط حماس بالإبقاء على الأسرى في جعبتها و أمام الضغط الإسرائيلي الجنوني و التلويح مؤخرا باجتياح رفح، يبقى شكل اليوم التالي عقدة أمريكية عصية على الحل إللى أن يخضع أحد الطرفين أمام ضفط الآخر.

