د. علي ناصر ناصر - خاصّ الأفضل نيوز
تقصف إسرائيل طوابير المساعدات في قطاع غزة وتقتل المدنيين العزل والأطفال والنساء حيث قتلت حتى الآن 12500 طفل و8000 امرأة ودمرت مساكن المدنيين والمستشفيات والكنائس ومنشآت تابعة للأمم المتحدة في ظل سكوت النظم الدولية الرئيسية التي لا تكترث حتى للاحتجاجات التي تجري على أرضها. تمثل سياسة قتل المدنيين نهجاً أمريكياً -إسرائيلياً يهدف بالدرجة الأولى إلى إدخال الرعب والخوف والفزع والهلع إلى قلوب وعقول الشعوب ومنها الشعب الفلسطيني الذي يقاوم كل ذلك منذ 75 عامًا ويقدم تجربة حضارية وإنسانية لم يشهد مثلها التاريخ.
قتل المدنيين في قطاع غزة أسلوب أمريكي
انتفت في غزة فكرة الحرب والصراع العسكري وأصبحت المجازر والإبادة الجماعية مفاهيم تنتشر لوصف الصراع القائم. تستخدم إسرائيل في حربها القوة المفرطة واتجه العالم إلى التساؤل عن القوانين والشرائع الدولية التي انبثقت بعد الحرب العالمية الثانية. إن قصف السكان غير المقاتلين يشكل انتهاكًا للقوانين الدولية والإنسانية. احتجت الولايات المتحدة على قصف اليابان للصين عام 1938 وأدانت بشكل صارم قصف المدنيين من الجو، ووجه الرئيس روزفلت نداءً إلى الاتحاد السوفياتي بأنه "لا يجوز لهم بأي حال من الأحوال القيام بأي شكل من الأشكال بقصف المدنيين من الجو أو قصف المدن غير المحصنة". لكن الولايات المتحدة نفسها قصفت المدنيين في دريسدن وبرلين وهامبورغ في ألمانيا، وفي هوريشيما وناكازاكي في اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية في رسالة ردع للعالم حيث قتلت مئات الآلاف من المدنيين.
لقد قتلت الولايات المتحدة أسرى الحرب الألمان والمدنيين في معسكرات الاعتقال الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية جراء التعذيب والمرض والجوع وتجاوز عددهم المليون إنسانا. وارتكبت الولايات المتحدة جرائم إبادة في فييتنام وكمبوديا حيث قتلت ما يقارب 4 ملايين شخص بينهم 1.2 مليون طفل. بالإضافة إلى قتل عشرات الآلاف من المدنيين في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان والصومال وليبيا خلال القصف بطائرات الدرون بحجة محاربة الإرهاب والأخطر من كل تلك التبريرات التي تعطى لتلك الأفعال مثل التحقيقات سرية، الأضرار الجانبية للحرب، والأخطر هو التبرير الذي يقول باختباء "الإرهابيين بين المدنيين" وجميعها تستخدمها إسرائيل في حربها على غزة.
انعدام القيم والأخلاق لدى دولة "إسرائيل"
تمثل الدولة في إطار القانون والمجتمع الدولي الشخصية المعنوية التي يقر لها بحقوق وواجبات تبعا للشرائع والقوانين الدولية، وهي بهذا المعنى تقدم نفسها بوصفها منظومة قيمية وأخلاقية محاكية بذلك هوية تميزها عن الآخرين في ميادين العلاقات الدولية في المجال الثقافي والديني والحضاري والاجتماعي، كل ذلك يترجم بالسلوك والأفعال. تنعدم القيم والأخلاق داخل "دولة إسرائيل" بفعل التناقض القائم داخلها، والشعور باللاشرعية عند المواطنين، واختفاء الروحية لدى السكان بالانتماء، والإحساس الثقافي بالوجود المؤقت، يدفع الدولة إلى ارتكاب الموبقات والتناقضات بين الأفعال والأقوال، ويظهر ذلك بالعنف المطلق لتبرير الوجود وعدم التقييد بالأطر القيمية في علاقاتها الخارجية، وانتهاك حقوق الأفراد المتعلقة بالحرية والكرامة عبر التعذيب والقتل والاعتقال، وهي بهذا المعنى دولة مارقة تهدد السلم والأمن الدوليين.
يعتقد الصهاينة التلموديون بضرورة قتل وتهجير الفلسطينيين من كل فلسطين، وهذه كانت سياستهم منذ تأسيس الحركة الصهيونية عام 1897 متكئين على عقيدة عنصرية نازية، فهم شعب الله المختار والآخريين مجرد بهائم مسخرين لخدمتم. تقدم إسرائيل نفسها كونها جزءا من الحضارة الغربية وربطها تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية بالمشاريع والسياسات الغربية فهي تحمل في بنيتها الداخلية تناقضا بين عقيدة عنصرية وقيم مثل الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان التي اعتنقتها النخبة الغربية بفعل الثورة الفرنسية والأمريكية قبل أن تتحول تلك القيم والمفاهيم أداة استغلال وسيطرة وتفقد مضمونها بفعل الصراع والتنافس الدولي. تمثل دولة إسرائيل الاستعمار الاستيطاني، وهو أخطر أشكال الاستعمار، ويتسم بالسيطرة على الأراضي للسكان الأصليين واقتلاعهم منها وتهجيرهم وممارسة الإبادة بحقهم وإعطاء المستوطنين كامل السيطرة والحقوق على هذه الأراضي وهذا تماماً ما فعله الأوروبيون في القارة الأمريكية وأستراليا وهو تحديدا ما تفعله الحركة الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني وتحاكي بذلك ما فعلته الولايات المتحدة مع السكان الأصليين في القارة الأمريكية.
الغطاء الأمريكي
يمثل الغطاء الدولي الذي توفره الولايات المتحدة للكيان الصهيوني غطاءً جلياً لعدم القدرة على محاسبة إسرائيل على الجرائم التي ترتكبتها بحق الفلسطينيين والعرب منذ تأسيسها، وهذا دفع العديد من المفكرين الدوليين إلى تصنيف الولايات المتحدة بالدولة المارقة باعتبارها لا تلتزم بالمعايير والأعراف الدولية وتمنع تطبيقها. والغطاء الأمريكي لا يشمل فقط منع المحاسبة، بل تقديم كافة أنواع الدعم العسكري والاقتصادي، الذي يساعد الكيان على ارتكاب أفعاله وجرائمه، وهذا كان واضحا في الحرب الحالية التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وظهرت من خلال الجسر الجوي العسكري الأمريكي، ومليارات الدولارات التي يضمنها الكونغرس لدعم الاقتصاد الإسرائيلي.
غياب الفاعلين الدوليين
أثبتت الحرب على غزة تفرد الولايات المتحدة بالقيادة الدولية وتحكمها بها بشكل صلف، ورغم التضليل والخداع التي تمارسه في الموضوع الإنساني- تقدم السلاح لإسرائيل وتسقط المساعدات الغذائية جواً على القطاع- نتيجة الضغط الشعبي، لم تستطع أي قوة دولية من مواجهة السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، فروسيا غارقة في مواجهتها الأوكرانية ولها سياستها الخاصة اتجاه القضية الفلسطينية وبالتالي فاعليتها السياسية محدودة، والصين لم تبلور مشروعها الدولي في مواجهة الولايات المتحدة وتحملها مصالحها التجارية على عدم الفعل السياسي، كذلك لم تقدم أي منظمة دولية أو إقليمية نفسها في مواجهة السياسية الأمريكية التي تتحكم بشكل فعلي في اتجاهاتها، وبعض الاعتراضات لم تشكل أداة واقعية تقود إلى تغيير عملي بالسياسات. سيؤدي غياب الفاعلين الدوليين إلى التفرد الأمريكي وإمعان إسرائيل في تنفيذ سياستها المتوحشة اتجاه غزة والشعب الفلسطيني.
انعدام الفعالية العربية والإسلامية خلال الحرب
تمثل المجموعة العربية والإسلامية على الصعيد الدولي قوة ضغط حيث تملك العديد من المقدرات الاقتصادية والسياسية والجغرافية التي تشكل بطبيعتها قوة على الصعيد الدولي، وتتمثل تلك القوة بالنفط والغاز والموقع الجغرافي الذي يسمح لبعض الدول العربية والإسلامية بالتحكم بالتجارة البحرية- التي تشكل 90 % من التجارة العالمية- حيث يمكن للدول العربية والإسلامية إقفال مساحات بحرية بعينها مما يؤدي إلى شل التجارة العالمية بالكامل. تلاشى الفعل العربي والإسلامي الرسمي وافتقد دوره الضاغط والفاعل وأصبح يعمل ضمن الكيان-الوظيفة، وافتقدت القمة العربية والإسلامية دورها الفاعل حيث انعقدت مرة واحدة خلال الحرب على غزة من دون أي فعالية سياسية، وقراراتها كانت شكلية من أجل استيعاب الشعوب ومنعها من أي ردة فعل. تمكنت الولايات المتحدة من احتواء معظم الأنظمة العربية والإسلامية وأبعدتها بشكل متتالٍ عن حالة الصراع مع إسرائيل والقضية الفلسطينية، وتمكنت من جعل بعضها يقيم علاقات مع الكيان الصهيوني، وجعلتها نظما استهلاكية ومتهالكة وفقدت دورها الفاعل والمؤثر سياسيا، مما جعل الولايات المتحدة واسرائيل تطمئن لردة فعل هذه الدول التي لن تتجاوز حدود الاعتراض اللفظي وحصر دورها بتقديم المعونات الغذائية والصحية.
إن قتل المدنيين عقيدة لدى "دولة إسرائيل" وهو مقصود ومستمر منذ 75 عاماً، لم ولن يتغير، وعدم المحاسبة الدولية هو قتل وانتهاك مستمر للقوانين والشرائع الدولية، ويعيد العالم والبشرية إلى القرون الوسطى، وتنعدم معه كل قيم الحداثة والتطور، إن إسرائيل تعيش في الماضي السحيق وتريد أن تعيد البشرية إلى تلك الحقبة وتؤازرها بذلك الولايات المتحدة من أجل حفنة من المصالح السياسية لحفنة من الرأسماليين.

