مارينا عندس _خاص الأفضل نيوز
على الأغلب، الأستاذ اللبناني اليوم، ليس سعيدًا بما فيه الكفاية ليحتفل في مثل هذا اليوم، بعيد المعلّم. وذلك، نتيجة الظروف المعيشية الصّعبة التي يعيشها مع تدنّي راتبه، بعدما بات عاجزًا عن تأمين لقمة عيشه أمام هذا الارتفاع الجنوني بسعر صرف الدّولار.
ولكن، على كلّ حال، happy teacher’s day.
أصعب أيّام حياتي.. المدرسة
أتذّكر جيّدًا، يوم حاول أستاذ اللغة العربية إهانتي، فقط لأنني شردتُ دقيقة وأنا أسرح في مخيّلتي من أمام النافذة، وأنظر إلى الطّيور الجميلة والسّماء الصّافية، رغم أنّني أحبّ المادّة لكثرة أنّني أعلّمها اليوم.
بعد يومٍ طويلٍ من التّعب، وبعد ستّ موادّ تعلمناها، وبّخني أمام أصدقائي في الحصّة الأخيرة من اليوم، فقط لأنني لم أعرف أين أصبح صديقي في قراءة النّص. وللأسف، أتذكّر تمامًا تعامله السيء معي، أكثر من تذكّري للنص أو للعنوان حتّى.
كنت أنتظر يوم الثلاثاء بفارغ الصبر، لأنّنا سنحضّر تعبيرًا كتابيًا أقرأه أمام أصدقائي لأفتخر بما أنجزته.
وعند سؤاله:" من يريد أن يقرأ موضوعه"؟ الوحيدة أرفع يدي منتظرة أن يختارني. تمرّ دقائق ويدي مرتجفةً متعبةً. وعندما ييأس لأنّ الآخرين لا يريدون قراءة موضوعهم، يختارني أخيرًا.
ماذا فعل الأستاذ في هذه الحالة؟ قلّل من شأن وقيمة أصدقائي أمامي. وُبّخ ثلاثون تلميذٍ أمامي، وهُدّدت ثقتي بنفسي بعد أن اختارني لأنّني "ربحتُ بالتزكية".
معلّمة الرّياضيات ليست أفضل منهُ بكثيرٍ
كانت تمرّ السّاعات والسّاعات ونحنُ نفتّش على الـx والـy. لو بدل ذلك، سألتني يومًا:" بما تشعرين؟" أو قالت لصديقي "ليس عيبًا أن يبكي الولدُ لو شعر بذلك".
أذكر تمامًا يوم فُصِلَ من المدرسة لأنّ علامته لم تكن جيّدة، تحديدًا، يوم وفاة والده.
في مدرستنا، من ينال علامة أقلّ من 12/20، لا يُسمح له بالالتحاق بصف الترمينال. إلّا لو أراد أن يكمل في المواد الأدبية، حتّى لو أراد أن يكون مهندسًا أو طبيبًا. هذه المعايير مُنزَلة في مدرستنا الحبيبة.
لا أعرف أين أصبح صديقي اليوم. لكنّني أتذكّر وفاة والده كأنه اليوم وأتذكر كل دمعةٍ بكاها أمامنا.
التلميذ مكتئبٌ
هل قيل لك يومًا عليك أن تكون نحّاتًا ماهرًا، تُجيد الغناء، ترسم الخرائط الهندسية بإتقان. تعمل في شركة عقارات وتعلّم اللغة الألمانية في الوقت عينه؟
هذا ما كان يتطلّب تمامًا من التلميذ. عليه أن يكون مستعدًا لكافّة الامتحانات في كلّ زمانٍ ومكانٍ. وأن يكون الأوّل في صفّه، مثل أخيه، في كافّة المواد العلمية والأدبية واللغات. والأهم من ذلك، ألّا يحزن، ولا يتعب، ولا يغيب من مدرسته حتّى لو كان مريضًا. وعليه أن يستعدّ لأيّ متغيّرٍ فجائيٍ ويتقن فنّ التعلم والإصغاء عبر شاشة الكمبيوتر في زمن الحرب والوباء والفقر.
الولدُ مكتئبٌ.
يجلس في غرفته طوال الليل، يحفظ غيبًا درس "استقلال لبنان"، حتّى ولو نعيش الحرب في الجنوب، من دون مسؤولٍ أو رئيسٍ للجمهورية، أو حكومةٍ.
يتعلّم ثقافة لبنان في مادّة التربية، والعادات والتقاليد الريفية، و"منقوشة الزعتر" وهو غير قادرٍ على شرائها حتّى، بعد أن تخطّى سعرها الـ150 ألف ليرة لبنانية.
الانضباط مهمّ جدًا. وما نكتسبه من خبراتٍ ومعلوماتٍ ومهاراتٍ مهمّة أيضًا. وأن يكون المعلّم سيّد صفّه ويشرح الدّرس بضميرٍ من دون خلل القوانين أيضًا موضوع في غاية الأهمية.
ولكن، بدل أن نركّز على البحر الطويل والبسيط وعلى "البيتاغور" وخطوط الطول ودوائر العرض، يا ليتنا نركّز على مهارات وقدرات التّلميذ في كيفية بناء مستقبلٍ جيّد له، يحرّره من أي وظيفة تستعبد وقته وطاقته، في طريقة بناء مشروعٍ له يجني منه الأموال والخبرة وتطوير الذات وحبّ وإكرام النفس.
وبمناسبة عيد المعلم، أحيّي كل من ساهم في نجاح تلميذه في الحياة وليس فقط في المدرسة.

