أمل سيف الدين - خاصّ الأفضل نيوز
في عيد الأم، ذلك اليوم الذي يُعتبر رمزًا للحب والتضحية، تتجدد الذكريات وتتعالى الأصوات محتفلة بالأمومة في كل أرجاء العالم. الأمهات، اللواتي يُعتبرن مصدر الحنان والأمان، يتلقين الهدايا والعرفان بالجميل من أبنائهن. ولكن، في الظل، وبعيدًا عن الأضواء والاحتفالات، يوجد أطفال يعيشون هذا اليوم بشكل مختلف. هم أولئك الذين حُرموا من أمهاتهم، سواء بسبب القدر أو الظروف القاهرة.
يا ليتني أستطيع أن آخذكم في رحلة إلى عوالمهم الداخلية، حيث الحنين يمزق القلوب، والأمل يتسلل بين ثنايا الألم. لنتعرف على قصصهم، التي تختلف من طفل لآخر، لكنها تشترك في الشعور بالفقد والحاجة إلى الحب الذي لا يُعوض.
نستمع إلى أحلامهم وأمنياتهم التي تتجاوز الحدود والظروف، ونشهد على قوة الروح التي تتحدى الصعاب.
نحن نعلم أن الكلمات لا يمكن أن تعيد ما فُقد، ولكننا نأمل أن تُسهم هذه السطور في إلقاء الضوء على واقعهم، وأن تُحرك القلوب والعقول نحو فهم أعمق وتعاطف أكبر مع هؤلاء الأطفال والأمهات. ليس فقط في عيد الأم، بل في كل يوم، يستحقون أن يشعروا بأن هناك من يهتم بهم ويقدر وجودهم في هذا العالم.
كانت ليلى وهي أم لبنانية تشتهر بابتسامتها التي لا تغيب وقلبها الذي يحتضن الجميع كأم لكل من يحتاج إلى الحنان. ولكن، في عيد الأم، كانت ابتسامتها تختفي لتحل محلها دموع الشوق والألم.
زوج ليلى كان قد حرمها من رؤية أطفالها الأربعة بعد خلافات لم تجد لها حلًا. وفي كل عام، كانت تقف على شرفتها، تنظر إلى الأفق، تتمنى لو أنها تستطيع أن تحتضن صغارها وتقبلهم، تشم رائحتهم وتغني لهم أغاني النوم كما كانت تفعل دائمًا.
في هذا العيد، قررت ليلى أن تكتب رسائلها المليئة بالحب والأمل، تضع فيها كل مشاعرها وأمنياتها لأطفالها. كتبت عن الأيام التي قضتها معهم، عن الذكريات التي لا تزال تعيش في قلبها، وعن الأحلام التي تتمنى أن يحققوها يومًا ما.
وفي نهاية اليوم، أطلقت ليلى الرسائل مع بالونات ملونة إلى السماء، علّها تصل إلى الأطفال حيثما كانوا، تحمل معها دعوات الأم التي لا تيأس ولا تفقد الأمل بأن القدر سيجمع شملها بأحبائها مرة أخرى.
هذه القصة هي قصة معاناة وأمل، قصة كل أم محرومة من أطفالها، تعيش في كل زاوية من لبنان والعالم، تنتظر اليوم الذي تعود فيه الابتسامة لتضيء وجهها من جديد.
وفي غرفة صغيرة مضاءة بضوء خافت، يجتمع مجموعة من الأطفال حول شمعة تكاد تنطفئ. يتشاركون القصص والذكريات عن أمهاتهم، بعضهم فقدوهن للأبد، والبعض الآخر مبعد عنهن بقسوة القدر. يتحدثون بأصوات خافتة، وكأنهم يخشون أن يسمعهم الحزن.
تتجول سارة، الصغيرة ذات السبع سنوات، بين الأزقة وهي تحمل دميتها المفضلة، تتخيل أنها أمها. تقول لها كلمات العزاء والأمل، وتحتضنها بقوة كلما هبت نسمة باردة. أما سيدرا، التي تكبرها بعام، فتجلس وحيدةً ترسم بألوانها المائية، تخلق عالمًا يجمعها بأمه في كل لوحة.
أما ياسمين، التي فقدت أمها في حادث سيارة، تقول بعيون تلمع بالدموع: "أمي كانت تقول دائمًا إن النجوم هي رسائل الحب التي نرسلها إلى السماء. الليلة، سأرسل لها أكبر نجمة".
وهادي، الذي انفصل والداه وحُرم من رؤية أمه، يضيف بصوت متحشرج: "أمي كانت تغنيلي كل ليلة. أحيانًا، أسمع صوتها في الريح".
وتشارك جوليا، التي تعيش مع والدها الذي يعاملها بقسوة، قائلة: "أمي كانت تقول إن الأمل ينمو مثل الزهرة في الربيع. أنا أنتظر الربيع في قلبي".
هؤلاء الأطفال يقضون الليلة في صنع بطاقات عيد الأم، يكتبون عليها كلمات الشوق والأمل، ويعلقونها على جدار الغرفة. يتخيلون أن أمهاتهم يقرأنها من بعيد، ويشعرن بالدفء الذي ينبعث من كلماتهم.
وعندما يحل عيد الأم، يذهبون إلى المقبرة ويضعون الزهور على قبور أمهاتهم، ويقفون هناك بصمت، يدعون لهن بالسلام. أما الذين لا يستطيعون زيارة أمهاتهم، فيرسلون بطاقاتهم مع الرياح، علها تصل إلى قلوبهن حيثما كنَّ.
لا بد أن نقف جميعًا لحظة صمت تكريمًا للأمهات اللواتي زرعن في قلوب أطفالهن بذور الحب والأمل. لكل طفل فقد أمه، سواء كانت في عالم آخر أو مبعدة عنه، يحمل قلبه قصة لا تُنسى من الشجاعة والإصرار. في عيد الأم، لا ننسى أن نرفع أدعيتنا لهؤلاء الأمهات اللواتي لا يزلن يشكلن النور الذي يهدي أبناءهن في الظلام.
ليس هناك كلمات كافية لوصف الفراغ الذي يتركه غياب الأم، لكن الذكريات الدافئة واللحظات الثمينة تبقى كنزًا يغني روح الطفل. وفي كل عام، يأتي عيد الأم ليذكرنا بأن الحب لا يعرف حدودًا، وأن الروابط التي تجمع بين الأم وطفلها لا تنفصم، حتى وإن افترقا.
فلنحتفل بعيد الأم بتقدير كل الأمهات، الحاضرات والغائبات، ولنعطِ الأمل لكل طفل ينتظر عودة أمه أو يحن إلى ذكراها. فالأمومة ليست مجرد رابط دم، بل هي رابط روح يتجاوز الزمان والمكان، ويظل مصدر إلهام للأجيال القادمة.

